الزكاة، ويوزعها، ولم يترك الرسول لهم حرية توزيع الزكاة كل كما يشتهي، بل لا بد وأن تجتمع لدى أمير الناحية ثم توزع حسب مصارفها الشرعية.
والشاهد أن الزكاة كالحج والصلاة، عبادات لا تصح إلا بجماعة وإمام، وكذلك الصوم لا بد فيه من إمام يحدد بدء الشهور ونهايتها، ويجب على المسلم أن يلتزم برأي الإمام وجمهور الناس وألا يشذ عنهم في فطر أو صوم، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ» .أخرجه الترمذي (701) وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَفَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعُظْمِ النَّاسِ.
وهذا كله يدل على أن هذه العبادات العظيمة أركان الإسلام لا تصح إلا بجماعة والتزام رأي الإمام والعمل فيها بنظام، وأن الشذوذ في شيء منها خروج من الجماعة يوجب الإثم، فمن شذ عن جماعة الصلاة مع قدرته عليها فلا صلاة له، ومن أخرج زكاته بعيدًا عن السلطان القائم فلا زكاة له، ومن شذ عن صوم الناس فصام وحده وأفطر وحده فقد شذ وأثم، ومن حج وحده فجعل لنفسه يومًا يقف فيه بعرفة دون الناس فلا حج له.
وهكذا نعلم أن الجماعة لازمة في هذه الأركان، ولا شك بلزوم الجماعة للجهاد، وأنه لا جهاد إلا بأمير وقائد، وإمام .. ، ولا شك أنه لا جماعة إلا بطاعة وإمام كما قال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَاذَنُوكَ لِبَعْضِ شَانِهِمْ فَاذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (62) سورة النور
والمعنى أنه لا يجوز لمسلم إذا كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر جامع كالجهاد مثلًا، فإنه لا يجوز له أن يترك الرسول صلى الله عليه وسلم وموقفه في الجيش إلا بعد استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما إذا تسلل وانفلت دون إذن فإن هذا خروج من الطاعة، ومدعاة لسخط الله وعقابه، كما قال تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] .
كما أن الاختلاف والشقاق مرفوض شرعًا.
ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) البقرة:114، قال [1] :
"ولا يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف، بأن يبنوا مسجدًا إلى جنب مسجد أو قُربه؛ يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأوّل وخرابه واختلاف الكلمة، فإن المسجد الثاني ينقض ويمنع من بنيانه؛ ولذلك قلنا: لا يجوز أن يكون في المصر جامعان، ولا لمسجد واحد إمامان، ولا يصلي في مسجد جماعتان."، [2] انتهى.
(2) - قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر - (ج 1 / ص 172) ومسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية - (ج 1 / ص 38) والدرر السنية كاملة - (ج 46 / ص 73)