فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 133

القتالية، وذلك لنجاحها في استخدام عنصر المفاجأة الداهم، المخضب بأساليب الكر والفر المهندسة، مما يفسح لها حرية واسعة في الحركة والسيطرة والضرب والتنقل والتمركز والاحتواء، فعند الوقوف على مثل هذه الصورة المستجدة نجد تداخلًا واضحًا في مفهوم السيطرة على الأرض!! فمن الذي يحدد مثلًا أن الحكومة الفلانية تسيطر على أرضها أم لا؟

علمًا أننا نشهد الكثير من الدول تعاني من اضطرابات وقلاقل ولا يمنعها ذلك من أن تكون دولًا في نظر الناس، وأقرب مثال على ما نقول، الدول المجاورة لدولة إسرائيل اليهودية، تسمى دولًا في العرف العالمي حسب علمنا، ومع هذا نجد أن هذه الدول مهددة في الصميم من قبل السلاح الجوي الإسرائيلي، الذي لا يؤخر فرصة لاختراق أجواء تلك الدول وممارسة السيادة على أجواءها وفوق أراضيها، ومع جزمنا أن إسرائيل قادرة على ضرب أي هدف تريده داخل تلك الدول في الوقت الذي تريده، أي في المصطلح العسكري أراضي الدول المجاورة لإسرائيل تعاني من تهديد وانتهاك جوي، وهذا ما يجعل السيطرة على تلك الأراضي من قبل حكوماتها ناقصةً وساذجةً.

ويمكننا أن نضيف لهذه الصورة عناصر أخرى تتحكم في السيطرة المزعومة وتتجاذبها، فمثلًا الأقمار الصناعية الآن تستخدم من قبل الدول العظمى على نطاق واسع دون احترام لسيادة الدول ونفوذها المزعوم على الأرض، أي أن معظم دول العالم التي لا تتمتع بقوة مماثلة، تخضع لنفوذ وقوة الدول العظمى، وبالتالي هي ناقصة السيادة بدرجات متفاوتة ربما، ولكن إلى أي حدٍّ يمكن أن يكون نقصان السيادة مقبولًا حتى نطلق على سلطة ما أنها دولة، هذا ما يعوزه الدليل والبرهان، بل الأمثلة الحاضرة في العالم المعاصر تعطي نماذج غريبة حول هذا المفهوم، فخذ مثلًا الحكومة الفلسطينية الحالية التي أقامتها حماس، بل وسابقتها أيضًا، وقس بهذا المفهوم كم كانت هذه الحكومة تمارس دورًا سياديًا على الأرض وكم كان حجم الرقاع التي تقع تحت سيطرتها الفعلية كي تعدّ دولة في مصاف الدول؟ وقد رأينا مرارًا في العهدين الحالي والسابق مشاهد متكررة لانتهاك السيادة من قبل العدو الإسرائيلي لأبعد الحدود، فقام باختطاف وزراء وممثلين سياسيين للحكومة من بيوتاتهم، ومع هذا بقيت الحكومة في نظر الناس حكومة.

وأدهى من ذلك ما يسمى بالحكومة العراقية الحالية وهي عبارة عن مسخ هزيل، مترهل الأطراف والقوى، لا أقول لا يملك نفوذًا بل لا يملك وجودًا في كثير من مناطق العراق، بل حتى بغداد عاصمة الحكومة المزعومة في لحظات حاسمة ومفاجئة تصبح خارج السيطرة وبعيدة عن أي نفوذ صليبي أو مرتد، سوى تلك الحظيرة الموبوءة التي يرعى فيها وجهاء الحكومة وساستها والموسومة بالمنطقة الخضراء كللها الله بالسواد.

ومن جهة أخرى الحال يفرض نفسه، فقد أسلفنا من قبل التنويه على مناط أكيد من مناطات قيام الدولة في مطلع الفصل الفائت، وهو التمكين، فإلى أي حد يمكننا أن نصف حال أناس أنهم ممكنون، أو أنهم غير ممكنين، مع التنبيه إلى أنه لا يوجد نص شرعي من الكتاب أو السنة أو أقوال السلف يحدد مساحة الأرض التي ينبغي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت