التي تتطرق إلى النفوس بما تحمله من الأنانية التي حذرنا الله منها, وأكثر من الترغيب في الآخرة لتجعل الدنيا مزرعة لها, ولهذا تعين على عباد الله الأمر.
الخامس والثمانون: وهوأن عبودية الله تجعل المرء دائمًا يتذكر الآخرة ولا يذهل عنها لحظة، ليعد لها عدتها كي لا يقسو قلبه ويرضى بالحياة الدنيا ويطمئن إليها, فلا يقوم بحقوق الخالق والمخلوق التي تتطلبها العبودية الشرعية, وليس معنى ذلك الانعزال عن خوض معركة الحياة والقنوع بالفقر والذلة مع التقاعس عن جلائل الأعمال, بل لتحفزه قوة شعور بأهوال الآخرة للقيام بما أوجب الله عليه وربط به مصيره, فيكون في هذه الدنيا من خيرة العاملين لإعلاء كلمة الله والإصلاح في أرضه ومنفعة خلقه ورفعة شرعه على كل تشريع, ألا ترى إلى معرضين عن الآخرة كيف كانت قوة بعضهم على بعض, بحيث لا يعامل أحدهم أخاه بعشر معشار معاملته لكلبه, تالله إن العالم دفع ثمنًا غاليًا جدًا لإعراضه عن عبودية الله وإضاعته رسالته.
السادس والثمانون: بتحقيق عبودية الله تكون الدنيا سجنًا لكل رجل شريف من جهة, ومركز انطلاق عظيم للأعمال النافعة والكفاح من جهة أخرى، إذ هي بلا ريب سجن للمؤمن حيث يضع عليه إيمانه قيودًا من حديد تكبل غرائزه وشهواته الطائشة, فهو حبيس التقوى عن الانطلاق في إشباع غرائزه وشهواته وركوب رأسه بالتسلط والتكبر على الناس, وليس معنى كونها سجن المؤمن أنه يعيش فيها صعلوكًا ذليلًا هين الشأن, منقطعًا عن العلوم والفنون, مقطوع الصلة عن معترك الحياة, بل على العكس يجب عليه أن يسعى ليعيش عيشة الأقوياء الأحرار, فيكون مثريًا وجيهًا واسع الأفق, نشيطًا جوالًا في الأرض, لا يرضى بالدنية لدينه وكيانه, بل ينطلق نحو العزة