الناس بعيني الحكمة والرحمة, ولا شك أن مشية الإنسان تنبئ عن صفاته أو بعضها, فالنفس الوقورة المطمئنة الجادة في الإحسان, القاصدة للخير, الراجية للثواب, المشفقة من العقاب, تؤثر صفاتها هذه على مشية صاحبها، فيمشي مشية مطمئنة معتدلة، فيها وقار وسكينة ممتزجان بجد وقوة، لا بتكبر وخيلاء وتبختر، وليس معنى ذلك أنهم يمشون مشية الذلة والمسكنة التي ابتدعها بعض الصوفية والزهاد, فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب لسرعته وقوته, ولكنهم يمشون مشية تتلاءم مع صفاتهم الطيبة المنبثقة من تقوى الله, فلا يشوبها شيء من مشية الجبارين المتغطرسين, تلك المشية الموسومة في الحديث النبوي بأنها مشية: المطيطاء.
وفي تلك السمة التي مدح الله بها عباده إعلام بحسن سيرتهم ومعاملتهم لأهل الأرض بما رسمه من قوام الإنسانية, التي زخر بها القرآن من الآداب الاجتماعية التي بها يتكون الإنسان الاجتماعي, لا الصور الإنسانية الممتلئة بالغش والافتراء والأنانية, تلك الصورة المشاهدة التي قرر فلاسفة بني جنسها أنهم مهما أبدعوا في المخترعات ومخروا المحيطات وطاروا إلى السموات فإنهم لايعرفون كيف يمشون على الأرض, بل الإنسانية المثلى تلك التي هي القدوة الوحيدة بالتقى والصلاح لما التزمت من آداب القرآن وأوامره التي يحصل بها ضبط الصلة بين عالم العقل وعالم المادة على وجه بَيّن, لولاه ما كانت زمنية تحيا روح الزمن كله, تلك الآداب والشرائع التي لا يراد بها إلا حرية المنفعة للنوع الإنساني كله, ثم الموازنة بين مقدارها وبين مقدار الحرية التي تنال بها، ليكون كل شيء في نصابه الاجتماعي دون طغيان, لأن إطلاق الحرية عبث وإفساد وإطلاق المنفعة ضرر أو ضرار كما هو المشاهد المحسوس اليوم من أعمال