الثالث والعشرون بعد المائة: في حصر الضراعة الصادقة بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تخليص للنفس من عبادة آلهة شتى, وتحرير لها من رق الهوى والشهوات وارتفاع بها من الأنانية والانتهازية إلى شرف الصدق والإخلاص, المكون للإنسانية الحقة, وإذا حصر العبد اتجاهه إلى الله في سائر نواحي حياته وجميع أموره فقد خلص نفسه من كل رق وأسر, وكان قلبه خاليًا مما سوى الله ومنشغلًا بحب الله ورسوله وتعظيمهما, فلا يكون لشياطين الجن والإنس عليه سبيل, فيتحرك حيث أمره الله مستجيبًا لله، لا يحركه أحدٌ من شياطين الإنس, ولا يستجيب لأحد من طواغيت البشر المضللين, الذين يلعبون على العواطف بشتى أنواع الدجل والتلبيس, ويوجهون الناس إلى ضروب من الجاهلية الجديدة, باسم القومية الفلانية تارة, والمذهب المادي الفلاني تارة، والحركة الثورية تارة، والمبدأ الفلاني تارة، وغيرها مما زادت به فتنتهم, وفي كل مجتمع لا يحقق أهله القيام بمدلول هذه الآية التي هي محض معنى (لا إله إلا الله) . وقد أخبر الله بأن الفتنة عن الدين أشد جريمة من القتل وأكبر, كما أخبر في الآية [36 , 37] من سورة (الزخرف) أنه يقيض للمنحرف عن عبادته شيطانًا يكون قرينًا له, يصده عن سبيل الحق ويصرفه إلى كل باطل, ومن هنا يأتي:
الرابع والعشرون بعد المائة: وهو أن عبادة الله ضرورة اجتماعية كما هي فطرة أساسية في الإنسان {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] لأنه لا بد للإنسان منها، فإن سلك منهجها الصحيح كملت إنسانيته, وقويت شخصيته, وتحرر التحرر الصحيح الذي يرتفع به عن مستوى البهائم, وإن لم يسلك ما رسمه الله لعبادته في سائر نواحي حياته، فإن أمره سينعكس