فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 384

للمخلوق, فهذا لم يكن من أنصار الله الذين كتب الله على نفسه نصرتهم, وتحقيق الغلبة لهم في الدارين, ووعدهم أن يحييهم حياة طيبة يهنئوا فيها بالأمن والسعادة, بل انعكست حاله, فكان في أمر مريج وعيشة ضنك, لا يستريح فيها مع وفرة ماله, وطيب مساكنه, وارتفاع رتبته بين البشر, فوجود ما ينغص عيشته من الأخطار والمخاوف والإرهاصات المتنوعة, والحروب التي ينتظرها ويستعد لها, أو التي يتقلب فيها ما بين حروب باردة أو كاوية, فلذاته ممزوجة بالمخاوف والمصائب.

وكذلك من طغى على قلبه حب لهو الحديث المتنوع والمجون, على حب ذكر الله وما نزل من الحق, أو طغى على قلبه حب شهواته ومعشوقاته على حب الله ورسوله, فهذا وهذا لا تندفع جوارحه في طاعة الله وتحقيق عبادته على الوجه المطلوب, من المسارعة في مرضاته وحمل رسالته والجهاد في سبيله لنصرة دينه, وقمع المفتري عليه, بل على العكس من كل هذا, وهذا يندفع اندافعًا بهيميًا إلى إشباع شهواته ونيل ملذاته, والتذوق من كل صوت حرام ومأكل ومشرب, ويكون على حد قوله تعالى: {يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد:12] .

وهناك نوع آخر طغى ويطغى عليه التنسك إلى حد يقطع صلته بالواقع, أو يجعله يقتصر من دينه على صلوات ونحوها دون أن يهتم بشئون الحياة ويسعى لتسييرها على وفق شرع الله, فإنه يكون مفرطًا في جنب الله، ومتجاهلًا نفسه غير محترم لها في الوقت الذي يظن أنه قد احترمها وصرفها إلى عبادة الله، ويكون مخرجًا نفسه من الخيرية العظيمة التي هيأ الله أمة محمد لها, وأساء إلى دين الله بفسحه المجال لأهل الباطل, وإحداثه فراغًا هائلًا ينفذون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت