في سواه, وبهذا اليقين يصمد ثابتًا لا يتغير بشي من جعاجع الناس وفراقعهم, ولا يستخفونه بتقليدهم أو إصدار فتاوى موافقة لأهوائهم {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71] ، لأنهم إذا استخفوه وفتنوه فغيروا مجرى سيره, تدنى برأسه وسقط إلى مستواهم المادي البهيمي {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:10] وحينئذٍ تذهب ميزته المحمدية بين سائر الأمم.
الثاني والثلاثون بعد المائة: هو أن المستعين بالله يملك نفسه ويملك وقته, ويحتفظ بحرية الحركة تلقاء ما يواجه من أمور الحياة طيبها ومكروهها, دون أن يخيفه شيء أو يعوقه أي مؤثر, فيعتمد على الله ثم يثق بنفسه, فيمده الله بقوة معنوية يقدر بها على فعل الكثير, دون استمداد من أحد أو انتظار عونه, وإنما بالاستعانة الصادقة بالله, يحرك قواه الكامنة ويفجر طاقاته وملكاته المدفونة فيه, ويستغل كل فرصة متاحة له دون أي تفريط أو تسويف, فلا يؤجل عمل اليوم لغد, أو يتريث عنه متعلقًا بالأماني، لأن ذلك مخالف للاستعانة, ومؤخر أو حارم من حصول الخير.
فالاستعانة الصحيحة بالله أعظم دعامة لتحقيق المستقبل وتخفيف عبئه, وتحمل مشاق لتنفيذ كل منهاج في الحياة, والمستعين بالله حقًا ينجح بين العدة الروحية والمادية فلا يخيب مسعاه بإذن ربه, وضده إما أن يغفل أو يكسل, فتطول فترة عنائه التي يبتغي الخلاص منها, وإما أن يقتصر على الماديات مغفلًا جانب الله إلى نفسه من جهة, ويسيره حسب سنته الكونية بما يشقيه - وإن نجح مؤقتًا - لحكمة قضاها الله لاستدراجه وعقوبة غيره به. فإنه لا بد من انعكاس أمره كما جرى لكل أمة منحرفة في القديم, وللأمم الشيوعية في