يجدد ثيابه وينظف ما تدنس منها دائبًا, ولا ينظف قلبه, ولا يجدد لكل خطيئة أو تقصير توبة, ولا يصفي قلبه لله من كل شيء, كل هذا من الغفلة والغرور ولا يرضى لثيابه بالدنس, ويعمل على دنس قلبه, بل على مزيد منه بترك تطهيره, وفي الحديث:"إن العبد إذا أذنب ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء, فإن تاب صقلت وإلا علت قلبه, فذلك الران الذي قال الله فيه: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} " (1) .
فالعابد لله يراقب الله بمحاسبة نفسه على كل خطرة أو نظرة, وعلى كل حركة وسكون ليصقل قلبه من سواد المعصية فعلًا والتقصير في الطاعة فلا يلقى الله بقلب أسود, فإذا تدنس ثوبه ذكر دنس قلبه فسعى لتنقيته وتطهيره قبل ثوبه، لقوة معرفته أنه محل نظر الله.
وإنما كان العابد لله منقيًا لقلبه منزهًا لأحاسيسه ليسلم تفكيره مما سوى الله, فتنضبط جوارحه وحركاته وفق حدود الله, فتكسب نفسه الاعتدال والتوازن, وكلما اعتراها شيء من نزعات الشياطين أصلحه بمراقبة الله والتوبة النصوح، ليرجع إليها توازنها واعتدالها, فلا تفقد مدد الله, فإن الإنسان في أشد الحاجة إلى تعهد حياته المعنوية والتنقيب في أرجاء نفسه, ليعمل ما يصونها من التفكك, والعلل الناشئة من الشرك الذي هو اتباع الهوى, أو المعصية التي لا تكون إلا من غفلة أو غيبوبة منهزم عقل.
فإن الكيان العاطفي والعقلي للإنسان قلما يتماسك مع حدة الاحتكاك بأنواع الشهوات والمغريات, وتأثير وساوس شياطين الجن, وقرناء السوء من
1 -أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 45) , وابن حبان في صحيحه (3/ 210) رقم (930) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه به.