وتمتلئ القلوب من محبته وتعظيمه, وتندفع جميع القوى والطاقات في نصرة دينه, وقمع المفتري عليه, وجعل الحاكمية له وحده, وتكريس كل الجهود لانتزاعها من كل ظالم وطاغوت يريد الاستبداد بها وفق أهوائه.
فالعابد لله لايقر أحدًا على ذلك, فضلًا عن أن يخضع له، لأن من أقره وخضع له طوعًا يكون عابدًا له قد اتخده ندًا لله سبحانه وتعالى.
أما الخاضع له والمنفذ لحكمه استحسانًا فهذا مشرك, بخلاف المرغم عليه وهو ساخط, فإن حكمه حكم من أُكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان.
فإن عبادة الله تحصر السلطان له وحده في سائر ميادين الحياة, ولا تعتبر لعباد الله جنسية سوى العقيدة التي يتساوى فيها جميع الناس, والخارج عن ذلك ليس عبدًا لله، لأن عمله مناقض لمدلول الشهادتين.
الحادي والأربعون بعد المائة: العابد لله حقًا عن حب ومعرفة, هو الذي يخر لتلاوة آيات الله خاشعًا مسبحًا, وإجلالًا لعظمة الله وتقديرًا له حق قدره, واعترافًا بجميله, وقيامًا بشكره, فيتدبر ما يتلوه أو يتلى عليه من وحي ربه, ويعمل بمدلوله بعد تفهمه الناتج من ذلك الخشوع والتدبر والتعظيم, فيكون هاديًا مهديًا, صالحًا مصلحًا, مهتديًا بنفسه, داعيًا إلى ربه, موزعًا لأنوار الوحيين, مصلحًا بها قلبه, مطهرًا بها جوارحه, وساعيًا لإصلاح ما قدر على إصلاحه من أهل الأرض على ضوئها, فيكون خليفة صالحًا لله في أرضه, كما أوجب عليه, وخلقه من أجل ذلك, ويكون مقتديًا بنبيه صلى الله عليه وسلم محسنًا التصرف في ميراثه, مستجلبًا بذلك مدد الله ونصرته على أعدائه مهما كانوا, ويحقق إنسانيته الكاملة بانتفاعه بكتاب الله علمًا وعملًا.
أما من كان على خلاف ذلك فقد دسى نفسه, ونزل بها عن مستوى الإنسان