فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 384

بالنظريات السياسية المختلفة في المكر والخديعة, ولكن جاهليتهم ليست من عدم علمهم بهذه الأشياء وممارستهم لها, فإن عندهم علومًا مادية ورياضية على حسب متطلبات بيئتهم وزمانهم, وعندهم من فنون القوة والجمال شيئًا لم يبلغ بعضه من بعدهم, كما قال تعالى في الآية (9) من سورة الروم, والآية (69) من سورة التوبة, والآية (21) من سورة المؤمن, وغيرها, وعندهم من أساليب المكر السياسي ما يلائم

أحوالهم مما يماثل المكر المعاصر أو يزيد.

وإنما جاهليتهم مبنية على اتباع الهوى والشهوات, وتقليد الآباء, ومسايرة الناس بغير هدى من الله, بل على أساس رفض وحي الله ومحاربة رسله وأتباعهم, وإعلان بغضهم, والتنفير عنهم, وتمجيد الاعتماد على النفس وانطلاقها في التصورات والأفعال دون وازع سوى حكم الطاغوت أو القوة المادية. هذه حقيقة الجاهلية الأولى المعادية لرسل الله, سواء كانت جاهلية عربية أو رومانية أو يونانية أو فرعونية أو فارسية أو هندية أو صينية, فلا عبرة بالأسماء ولا بالانتساب, إنما العبرة بالحالة النفسية التي تأبى الانقياد لأمر الله والانصياع لحكمه، اتباعًا للهوى ورغبة في الأنانية والنفوذ المطلق بأي صورة ظهرت, وبهذا التعريف الظاهر المنضبط الصحيح يتضح لعبد الله أن لكل قوم في كل زمان جاهلية, فيحذرها ويفر منها إلى الله بالاستمساك بوحيه والاستغناء به والرجوع إليه في كل ورد وصدر, واعتقاد أن جميع المظاهر والتصورات والأعمال المخالفة له جاهلية ورجس من مبتكرات الطواغيت المختلفة, ويدرك الأغوار البعيدة والمقاصد الخبيثة لما يطنطن به الملحدون والمغفلون من كلمات الحرية والحضارة والمدنية, التي هي من شعارات الماسونية البارزة في الثورة الفرنسية وألاعيبها في السلطنة التركية , تلك الأمور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت