فهرس الكتاب
مع أنه الشعب الذي يتغنى المغرضون باسمه ويأخذون كل شيء باسمه ويحاكمون ويقتلون ما شاءوا باسمه ليس له من أمره ولا مثقال ذرة بل يسوقه الحكم العسكري الغاشم إلى ما يريده, ويحركه تحريك الآلة بحيث تكون الأنعام أحسن منه حالة, وقد قدمنا فيما مضى أن ذلك عقوبة من الله يجريها على من تنكب عبادته فيبتليه بعبادة من لا يرحمه ولا يقبل منه معذرة ولا تسويفًا، ومنشأ هذه الأحوال التي يتردى فيها الإنسان هو الانتقاص من كفاية وحي الله وعدم الاستغناء به والانشغال بتدبره، فتحصل الرغبة في غيره أو طلب المزيد من غيره لحل المشاكل, فتتلطخ الأدمغة وتفسد التصورات, وبفساد التصور يحصل الانحراف وينقلب الاتجاه بانقلاب المفاهيم, حتى أن الذين ابتلوا بالنظريات العصرية والمذاهب الثورية يرفضون الأخلاق والفضيلة, ويزدرون ما يسمى (الحق) فلا يوجد عندهم ميزان صحيح للحق والفضيلة, كأن الحق والقيم الخلقية ليست إلا أشياء نسبية, اقتصرت شرعيتها وفائدتها على زمان أو مكان خاص أو بيئة مخصوصة, وقد لقبوا المجتمعات المؤسسة على الدين والأخلاق النبوية بالجمود والتزمت والتأخر, وعملوا على القضاء عليها باسم العلم والفنون والتصنيع والتجميل, كأن ذلك لا يتم إلا على حسابها, وصدق معنى الحديث المروي عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إنها ستكون فتنة"قلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال:"كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم, وهو الفصل ليس بالهزل, من تركه من جبار قصمه الله, ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم, وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء, ولا يخلق"