فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 384

يرفع به رأسًا, وبذلك تحصل الطواعية لله ولرسوله, وتنحصر صلة العبد بهما, وينفصل عما عداهما انفصالًا كاملًا, عن شعور إيماني عميق, منبثق من محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم, ومنابذة ما عداهما فرارًا من الإثم, والتزامًا بقواعد المحبة وضوابطها.

وإذا قرأ عباد الله كتاب الله على هذا النحو وتلقوه بهذه الصورة, انفتحت لهم كنوز العلم والمعرفة, وتيسر لهم العمل به دون إحساس بأي تكليف, بل يستطيعون العمل لله, ويتلذذون به, ويتنافسون بالتضحية في سبيله, ويتسابقون إلى الفداء، لأن ذواتهم تكيفت بوحي الله الذي انخنست به قلوبهم, وتغلغل في شرايينهم, وهناك تتفجر طاقاتهم وتصبح ثقافتهم ثقافة محمدية متحركة, زحافة في كل ميدان, وإلى كل صقع وواد, لا تقتصر على ملازم الكتب أو أعمدة الصحف والمجلات, ولا تتحجر في الصناديق والدواليب, وإنما تحرك أهلها ذات اليمين وذات الشمال, حيث أراد الله من الزحف المقدس, الذي قام به أسلافنا عباد الرحمن, والذي لا نزال نسعى في آثاره وبقاياه من الأرض.

هذا نتاج القرآن لمن أقبل عليه بفرح وحب, وتشرف وتشوق, وتعاهده حتى ينغرس في قلبه, وينمو في عروقه, ولقد كان السلف لا يتجاوزون بعض آيات منه حتى يحفظوها ويتدبروها ويقوموا بواجبها من التنفيذ, ولم يكن همهم مقصورًا على الاستكثار من قراءته كحالنا في هذا العصر, لشعورهم بعظم المسئولية من الواجبات والتكاليف حتى حصلت عندهم الملكة على تحملها بكاملها, ورعايتها حق رعايتها.

فإن هذا القرآن لم يجعله الله كتاب قصة وفن أو أدب وتاريخ, وإنما جعله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت