فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 384

رضوانه والهرب من سخطه وعقوبته.

فإن بصدق الضراعة إلى الله بهذه الآية قولًا وعملًا وقصدًا، ينال الإنسان أهليته من كرامة الله في الدنيا والآخرة، فإن الله خلقه ليكرمه ويسوده في الأرض، فإذا عصى الله وطاوع الشيطان - أي شيطان مبتعد عن وحي الله وأمره - فقد سعى في إهانة نفسه بدل كرامتها، وفي رقها لكل شيطان بدلًا من تحريرها لله وحده، وفي تأخير منزلتها وجعلها ذنبًا للغير، بدلًا من رفعتها وسؤددها، وكونها راسا مُسَيِّرًا لا ذَنَبًا مُسَيَّرًا.

فهذه الضراعة الجليلة القدر بهذه الآية الكريمة لا يتقدم بها الجهلة بالله وبدينه, من ذوي الشعور النافر عنه إلى غيره, كما لا يتقدم بها تقدمًا صحيحًا من هو مسلم بالانتساب من ذوي الشعور البارد، وإنما يتقدم بها أهل التوحيد, العارفون بالله الذين يشعرون بواجبهم لله في حياتهم, فيجددون العهد معه والضراعة إليه بها، ليعينهم على مهمتهم التي بها بر من يستحق البر, وقمع من يستحق القمع, من كل ظالم لحق الله, مستهين بأمره, رافض لرسالته, وهو - جل وعلا - يعين الصادق بضراعته إليه فيها, ويسهل عليه طريق عبادته, ويؤهله لتحمل مشاق الدعوة إليه, والصبر في ذاته, ويوفقه للتوبة مما يلم به من الذنوب, التي تغلبه شهوته على ارتكابها, ويفرح بتوبته منها أشد من فرح المضيع لراحلته وقوته في أرض فلاة إذا وجدها, كما ورد في الحديث (1) فدينه محض الرحمة والخير والبركة واليسر, وفيه عصمة من زيغ الأهواء, وتسلط طواغيتها ودجاجلتها.

الثالث والخمسون بعد المائة: هذا التوجيه العظيم من الله لعباده

1 -الحديث المشار إليه أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2744) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت