فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 384

والعجيب أن هذا النوع من المبذرين يبخل على الله, فلا يصرف المال في الجهات الدينية, بل ويأمر الناس بالبخل في هذا السبيل, كما وصفهم الله في الآية (37) من سورة النساء, والآية (24) من سورة الحديد, فهذا المال من أقوى الطاقات الحيوية للمسلم الحامل رسالة ربه, فإذا أساء التصرف فيه صار مددًا للشيطان وأعوانه, لا مددًا لدين المسلم وعقيدته, ومن هنا تظهر حكمة تحريم الإسراف والتبذير, وحكمة حكم الله على المبذرين بأنهم إخوان الشياطين، لأن ثروتهم تسيل على أعداء الله وأعدائهم من الأجانب في الخارج أو من المعتنقين لمبادئهم ومذاهبهم في الداخل, ممن اصطبغوا بصبغة الوطنية ونحوها, وانسخلوا من صبغة الله.

فالعابد لله يضبط ثروته بحصر إنفاقها في سبيله, لا يصرفها في غيره, ولا يبخل بها عليه فيعاقبه بحرمانها أو خسرانها حسبما تقتضيه حكمته - جل وعلا - وكما يغتنم العابد لله صحته قبل حلول سقمه, وفرصة غناه قبل فقره, فكذلك يغتنم فراغة قبل شغله, فيهتبل فرصة نعمة الفراغ باستعمالها في طاعة الله, وخدمة دينه بكافة أنواعها, والجهاد في سبيله قبل مشاغل العيلة أو الفتن, ويغتنم فرصة قوة شبابه قبل حلول هرمه وضعفه, فإنه إن فرط في ذلك كان خاطئًا ومحاسبًا من الله عليه, والجامع لهذا الاهتبال الواجب هو أن يغتنم كل فرصة, بل كل ساعة ودقيقة من عمره, باستعمالها في مرضاة الله وطاعته, والعزم الأكيد على الجهاد في سبيله بجميع أنواعه ومتطلباته, لا يخلي لحظة واحدة من عمل أو عزم صحيح أكيد على العمل، لأنه لا يدري في أي لحظة يموت, فكيف يفرط في أوقاته ولحظاته الغالية, التي لا يقبل الدنيا لها ثمنًا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت