فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 384

بالانتشار, بل يغضب لله ويصول على الباطل, قبل أن يصول عليه وينصب نفسه مهاجمًا لا مدافعًا، لأنه متى ترك صائل الباطل أو استهان بانتشاره استفحل أمره, وعظم شره وخطره, والمدافع في الغالب لا خير فيه, ورجاء انتصاره قليل.

وعزة المؤمن أن يكون كالليث الصائل في نصرة عقيدته, والدفع بها إلى الأمام, لا أن يتميع فيغزى في عقر داره, أو يكون مهددًا فيشتد همه وغمه ويكون عرضة للعدو الخارجي والمنافق الداخلي, ولكن بصولته في الجهاد وإقدامه عليه يندحر العدو ويُقْمَع المنافق, وينكبت, فيتبدل همه وغمه فرحًا ونشاطًا وقوة, ولذا قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ} ولم يقل: دافعوا {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 14، 15] فعدوك في العقيدة, كالجمل الحاقد, لا يذهب غيظه ويزيل حقده, إلا التأديب الرادع الذي يخرج ما في صدره, من الاستعلاء والرغبة في الانتقام بما يدمغه ويخيفه.

والجهاد وإن كان مكروهًا للنفوس, فعاقبته خير وعزة وبركة, ولا تكرهه نفوس العابدين لله حقًا, الضارعين إليه صدقًا, ومشروعيته لحفظ العقيدة, وسلامة نفوس أهلها من الفتنة عن الدين, التي هي أشد من القتل وأكبر جرمًا, والعمل على إعلاء كلمة الله، ليدين الناس بحكمه ويستسلموا له, ولو لم يسلموا فإنه ليس للإكراه على الدين, فإن العقيدة أمرها باطني, وإنما هو لإخضاع الناس لحكم الله, وردعهم عن فتنة المسلمين بشتى الوسائل وأن يكون دين الله عاليًا وكلمة الكفر سافلة بجميع أنواعها, لأنها افتراء على الله, وهو وإن كان فيه قتل حسي لبعض النفوس, فمصلحته راجحة لاستبقاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت