لمن عنده علم بتزييفها, وحصانة عن التأثير بها, والمحاذرة من جميع وسائل الفتنة عن العقيدة والدين بقطع مادتها, وعدم السماح بدخولها أو انتشارها, وحفظ الثغور الحسية أو المعنوية عن تغلغلها, ومقاطعة أهلها من المتساهلين بالدين, أو المشككين فيه, أو المحرفين لنصوصه, والمحاولين تقريبه إلى نظريات الماديين والفلاسفة, أو تأويله حسب أذواقهم, فإن بغضهم وهجرهم من الواجبات, قال الله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68] وقال تعالى في الآية (140) من سورة النساء: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} فضرر المنافق والملحد أشد بكثير من ضرر الكافر الأصلي الصريح, وهو أشد فتكًا في الروح من الجرب المعدي للجسم.
وخير مشغل للقلب والحواس عن الغزو الفكري ما قدمناه في الأمر الثامن والتاسع والأربعين بعد المائة, وما ذكرناه قبلها في عدة وجوه مع الانشغال بنشر الدعوة وتركيز العقيدة, والاعتناء بتدعيمها, والدفع بها إلى الأمام, فإنه مع نفعه للناس فيه وقاية لصاحبه بإذن الله.
الستون بعد المائة: تعليم الله للمؤمنين هذه الضراعة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} بصيغة الجمع, وكون الفرد منهم ملزمًا بهذه الصيغة, فيه إعلام من الله مؤكد بالتذكير بأن هذا الدين الإسلامي الحنيف هو الرابطة الوحيدة بين المسلمين على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وتباعد أقطارهم وبلادهم، فهو الذي يجعل جميع الأمم الإسلامية كمجتمع واحد وأسرة