فهرس الكتاب
الدين والعبودية, حتى تفرغ وتصفو من حب غير الله وتعظيم غير الله, والخوف من غير الله أو رجائه, وتصفو من محبة لهو الحديث, والتعلق بالأنانية والشهوات, وتصفو من العلوم المادية والنظريات الإلحادية, وهناك تكون فيها القابلية الصحيحة.
فإن القلب إذا صفت مقاصده لله, وصفت معلوماته مما سواه, وانحشى بوحيه العزيز, وانشغل بذكر أسمائه الحسنى متدبرًا معانيها ومشتقاتها, ليعامل الله بمقتضاها ولا يأنس إلا بها, صفت موارده لخلوص مقاصده, فصار سليمًا وفي حصن حصين من غزو أعدائه شياطين الإنس والجن الفكري ومن همزاتهم, فيثمر له صفاء علمه ومتعلقاته حسن السلوك الذي يسيِّر الأعضاء والأحاسيس حسب مرضاة الله, كما أسلفنا في الوجه الذي قبل هذا.
الثالث والسبعون بعد المائة: الضراعة إلى الله بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لا تكون صادقة نافذة المفعول على قائلها إلا إذا صدرت من مسلم مؤمن, قلبه منفتح نحو الله, يشهد نعم الله عليه من قبل وجوده إلى فقده تلك النعم التي لا يقوم بشكرها, ولا يقابلها أي عبادة, فيشهد نعمة الله عليه بذكره له في الملأ الأعلى قبل أن كان شيئًا مذكورًا, حيث قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] وذِكْرَه - أيضًا - إياه دون شيء من مخلوقاته, وذلك بتقدير رزقه وأجله وعمله.
فهذا ذكر عظيم شكرهما وحقهما, ثم يشهد نعمة الله بتقدير خلقه في أحسن صورة, وإمداده بالسمع والبصر والفؤاد وسائر الجوارح والأحاسيس والقوى, وإسباغ نعمه العظيمة عليه, فلا يغفل عن ذكره أو ينشغل بسواه, بل يشكر كل نعمة لله شكرًا عمليًا باستعمالها في طاعته والسعي في مرضاته,