المتقدمة, وكانت عبوديته لله سائرة على ما فصلته فيها, فإنه ينكشف حجاب قلبه عن ربه فيستنير, ويكون مقبلًا على الله, متلذذًا بعبادته, يجد لها حلاوة, ويجد منها سرورًا, وتفيض أنوار الهداية على جميع أحاسيسه, فلا يطمئن إلا لذكر الله وطاعته, ويكون متوحشًا مما سواه, وتكون أعماله الدنيوية مرتبطة بالله, قصدًا لوجهه واتباعًا لشريعته, ولا يدخل إلى مسامعه شيء من لهو الحديث المتنوع, الذي تقذف به اليهودية العالمية على أيدي عملائها ومخدوعيها, فضلًا عن أن يستعذب شيئًا منه.
هذا مستحيل، لأنه ليس لديه ذرة واحدة إلا بالله, ومن الله, وجميع أوقاته وطاقاته منحصرة لله, قد سلم من حجاب نفسه وأهوائه, وانقشع عنه ضباب الشهوة والأنانية, فقلبه في ربيع القرآن, وروحه في نعيم الطاعة, لخلاصه من الحجب المعوقة له والمضللة له عن طريق السير إلى الله، لأنه بسلوك ما فصلته في الوجوه السابقة يتخلص من الحجب التي بلغ العلماء في عدها إلى عشرة وهي:
1 -تعطيل الله عن أمره وشرعه, وكون البشر يسلكون ما شاءوا دون ارتباط بالله.
2 -تعطيل حقائق أسمائه وصفاته, وعدم معاملة الله بمقتضى كل اسم وصفة.
3 -حجاب الشرك من سائر التعلق بغير الله, فإن الشرك ليس مقصورًا على عبادة صنم ونحوه, وإنما هو متمثل بانصراف القلب عن الله إلى غيره, في أي ناحية من شئون الحياة.
4 -حجاب البدعة القولية, مما ينشأ من تلقي العلوم والمعارف من غير