بالكراهية لباطلهم, والتصميم على نقلهم منه بجميع ضروب الأمر بالمعروف ومستلزماته, ومجاهدتهم باللسان بالتبليغ والبيان, ورفض باطلهم وتزييفه بالنقد العلمي والعقلي, كما أرشد إليه القرآن, ومجاهدتهم باليد دفعًا وإزالة, وقمعًا وزحفًا بالحق حسب المستطاع.
فحقيقة الإيمان لا تتم بالقلب حتى يتعرض لهذه الأنواع من المجاهدة, ويصبر على الأذى والابتلاء, قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] ، {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] , {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] , {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4] (1) فإنه ينفتح للمسلم بذلك آفاق لا تنفتح بدون المجاهدة, ويعرف من خبايا الناس ما لا يعرفه بدونها.
التاسع والسبعون بعد المائة: بتحقيق عبودية الله تتحقق دعائم كيان المسلم ونصرته وتمكينه في الأرض, فالقيام بعبودية الله هو الضامن لحصول ذلك, وهي لا تتحقق باللفظ والدعوى, ولا بإقامة بعض الشعائر, والاتيان ببعض الأوامر دون بعض, وإنما تتحقق العبودية بحصر الاتجاه إلى الله في كل شيء, والطاعة لله في كل شيء, وتحكيم شرعه في كل شيء.
والضمان لتحقيق هذه العبادة بكاملها هو نزاهة ضمير المسلم من الهوى والأنانية, وقوة جنانه بصدق توكله على الله, والاعتماد عليه, وعدم الخوف
1 -في هذا الموضع وغيره من مثله يشير الكاتب إلى رقم السورة ثم الآية.