من غيره بتاتًا, وكونه دائمًا مستشعرًا مشاهد يوم القيامة, والرجوع إلى مالك يوم الدين, فلذلك يكرر الضراعة بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لعمارة ضميره, وإيقاظ شعوره, فيكون أمينًا على حق الله في الحياة, والتزام ما ألزمه الله به.
الثمانون بعد المائة: هذا الإرشاد من الله لعباده بضراعتهم إليه بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} إعلام منه - تعالى - للبشر بأن هذا الدين لا تتحقق إقامته في الأرض إلا بجهودهم حسب طاقتهم, وحسن نيتهم الجالبة لعونه - تعالى -, ومدى صدقهم مع الله, وهو تعالى يجبر نقصهم ويسدد خطاهم, وينصرهم على أعدائهم, ويمكنهم في الأرض مقابل إخلاصهم في القول والعمل والقصد, لتكون كلمة الله هي العليا, فيجعلهم الأعلون.
وثبات المسلمين على هذا المبدأ, وانطباعهم بهذه الضراعة عمليًا, يحقق لهم ذلك, ويجعلهم يثبتون أمام جميع العالم أن هذا الدين مستطاع وملائم لفطرة البشر, وليس دعوة (مثالية) كما يكرر ذلك من يقصد إشاعة اليأس من دوام ذلك, محتجًا بما جرى من الأحداث على عدم استئناف المد الإسلامي, وبمنهجه الذي سار عليه السلف الصالح.
لذلك فإن الصدق مع الله بهذه الضراعة يكذب هذا الزعم الذي روجه المبطلون, وهضمه المغفلون السطحيون الذين يجهلون أسباب الانتكاسة, وتلاحق الكوارث على المسلمين, فإن جريان هذا بسبب عدم الثبات على المبدأ, وعدم تحقيق العمل بمقتضى هذه الآية, التي من عامل الله بمقتضاها كان من الصادقين, الذين يصلح الله لهم أعمالهم, ويمدهم بالنصر في الدنيا.