يعلم أن المسلم المؤمن بالله يجد تحديات عصرية قريبة منه أو بعيدة - وأكثرها قريبة - لا مجاورة له من جاهلية أقرانه ومعاصريه, فإذا لم يقابلها بشخصية مسلمة متحررة من جميع ملابساتها, مستقلة في نظريتها وعملها, حاصرة استمدادها من وحي ربها فإنها لا بد أن تتفاعل معها بدافع التأثر, فتعيش بالضرورة على نسق حياتها المعاصرة, فتنشأ هوة بين اعتقاده الديني وسلوكه الحياتي, كما تنشأ هوة أخرى بينه وبين طبقات جنسه المنهزمين في نفسيتهم وتفكيرهم والساعين للتحفظ, وهم مصابون بشيء أو أشياء من ذلك, فيتزعزع الكيان المسلم بهذه الحالات, لاسيما مع الدجل الماسوني الذي جلبته الثقافة الأجنبية, والذي نقل الخصومة بين المسلمين, فجعل المنهزم منهم يعيب على المتحفظ, وجعل المنحرف إلى الإلحاد - من حيث يشعر أولا يشعر - حربًا على آبائه وإخوانه, يعتبرهم متخلفين جناة على الوطن، لأنه من عباد المادة والطين.
ولا بد من انطلاقة الشخصية الإسلامية متحررة مما تقدم, وذلك لا يكون إلا بحركة روحية صحيحة منبعثة من حب الله وتعظيمه وحب المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعظيمه بكل صدق وإخلاص, وقوة يتحقق بها مدلول {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فلا يكفي لتحرير قلب الإنسان وعقله قوته المادية, ولا تفوقه العسكري, ولا تحصيل الاستقلال السياسي لأرضه بقوته أو بما يقضيه الله له من المناصرين, حسب سنته من دفع الناس بعضهم ببعض.
كل هذا لا يكفي ولا يحصل به الاستقلال الفكري الصحيح أبدًا, ولا الحياة الروحية الطيبة الصحيحة، لأن العقل الخالي من روح الله لا بد له من التخليط حسب المؤثرات المادية من أنواع الغزو الفكري, والتقليد الببغاوي, ولأن