الكافية الصحيحة لبحث المسائل النفسية كلها, فضلًا عن حلها حلًا كاملًا بمفرده, لأن النفس تدخل في عالم الغيب, الذي لا يخضع لحواس البشر، لكونها قاصرة الإدراك مهما تفننت, ولأن تقرير الخطأ والصواب في علم الأخلاق والسلوك, يحتاج إلى معرفة العلة الأولى والهدف الأخير, ولا يمكن للبشر معرفتهما مهما أوتوا من العلم المادي, كما أنهم لا يعلمون آخر نتيجة الشيء الذي يبدو ضرره أو تبدو منفعته, عاجل الأمر بالنظر المادي, إذ يمكن أن يكون الضار في بدايته نافعًا في عاقبته, وهو بغيض مهروب منه.
ويكون النافع في مظهره وبدايته ضارًا تكمن فيه أنواع الشرور, سواء قرب زمان ذلك أو كان بعيدًا, فالعجلة الإنسانية تعمي كثيرًا, لا سيما وقد أثبتت التجربة العلمية - التي يتبجحون بها - عجز الحواس البشرية مهما حصلت على المكبرات والمجهرات, واستخدمت أنواع الآلات, ولذلك قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85] .
هذا و إن عبودية الله لا تمنع أهلها من النظر في ملكوت السموات والأرض, ومواصلة البحوث العلمية في الميادين النفسية والآفاقية, بل تدعوهم إلى ذلك بشرط تقييده بعالم الغيب وإيقافه عند حدود الله, حتى لا يعتسفوا الطريق فيتعرضوا للضلال, وتبديد الطاقات واتساع رقعة الخلاف بدلًا من لمها وتضييقها, فمعبودهم - جل جلاله - لا يريد منهم تعطيل العقل, وإنما يريد منهم حفظه بإطار حدوده عن التخبط في المزالق والتردي في الهاوية, فالدين للعقل كالقواعد للفقهاء والحكام, لا تقيد سلطتهم