فينجون من عار الإباق وعظيم عقوبته وسوء نتائجه وآثاره، لأن الإنسان لا يكون عبدًا لله المستحق العبودية إلا إذا كان ملازمًا له, قائمًا بطاعته في جميع أمره ونهيه, فإنه يكون بذلك مخلصًا صادقًا وفيًا, مع اقتران هذه بالمحبة والتعظيم والتشرف والتسليم والاعتراف بفضل الله عليه, والتقصير منه في جانب مولاه, وإذا نقصت طاعته لله واختل امتثاله كان عاصيًا بحسب ذلك وتتضخم معصيته على قدر كبرها أو الإصرار عليها, فيكون عبدًا لله تارة وعبدًا للهوى تارة, وبذلك يكون فيه هروب عن الله الرحمن الرحيم إلى عدوه الشيطان الرجيم بسبب نفسه الأمارة بالسوء, الجانحة للشهوات العاجلة القاتلة.
وإذا كانت المخالفة والمعصية مذمومة من الإنسان لإنسان مثله ممن يرتبط فيه بحكم أو وظيفة, فكيف بمخالفته لربه مالك الملك؟ وإذا كان الجندي الهارب من سيده خائنًا مذمومًا مستحقًا للعقوبة، لأنه هرب من مربيه الذي علمه وأبرزه على غيره, فكيف بمن هرب عن الله الذي رباه بجميع النعم, وبوأه المرتع في ملكه, ويتخوض في نعمه؟ لا شك أن خيانته أعظم, وجريمته أفظع, وعقوبته أشد.
إنه حرام عليه وعار عليه أن يلتفت إلى غير الله, أو يتلذذ بغير ذكر الله, أو يتغنى بغير كلام الله, أو يخضع لغير عظمة الله, ممن سرقوا الجاه والسلطان في الأرض, حرام - والله - عليه, وعار عليه أن يلتمس نورًا من غير نور الله, أو يسلك غير صراط الله الذي ارتضاه له, حرام عليه ونقص في عقله أن يطمع في خير من دون الله, أو يثق أو يطمئن إلى وعد غيره, أو يخلط خدمة الله بخدمة غيره, أو يدنس نفسه بطاعة غيره.