الكمال, وهو وحده الذي يرفع رءوس أهله ويهيب بهم, ألا يستعينوا بغيرهم في دفع أي عادية, أو ردع أي عدو, أو قمع أي ظالم, أو إخراج أي متعصب, بل يعتمدوا على الله, ثم على أنفسهم بعد الأخذ بالأسباب, وإعداد القوة الموجبة عليهم في قتال كل باغٍ وظالم مستعينين بالله وحده, بنية خالصة, وألسنة صادقة لإعلاء كلمته, وبجوارح طاهرة من معصيته, وقلوب محشوة بمحبته وتعظيمه, سليمة من محبة ما يبغضه, وموالاة من يعاديه.
وبذلك ينالون مدده وحصانته ونصره على أعدائهم مهما كانوا, كما أجرى سنته بذلك, حيث قال في أوليائه: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 22, 23] .
بتحقيق عبودية الله وفق مدلول هذه الآية يتحقق كيان المسلمين بين الأمم ويكون لهم هدف صحيح ناجح نصب أعينهم, يفرضونه على من سواهم, وتكون حركاتهم منوطة به, وإنفاقهم المال في سبيل نصرته, والزحف به لوجه الله, ولا ريب أن من ليس له هدف في الحياة يفقد كيانه بين الأمم, ويكون عولًا عليهم أو على بعضهم.
ولذا أرشد الله عباده المؤمنين إلى هذا الهدف السامي الذي يبرزون فيه بين الأمم, ويتفوقون عليهم, ويتميزون منهم, بالطموح والشموخ عن كل خوف أو تقليد، لأن الله العليم الحكيم خط لهم الخطة الروحية بصراطه المستقيم بين سائر أهل الأرض, من الماديين عباد الأشخاص, وعباد الشهوات, وعباد الهوى والدرهم والدينار.
وأصحاب المبادئ العصبية والمادية عباد الفرد, أصحاب العواطف