الثاني عشر: تعليم الله لهم ضراعة الأتقياء الأبرار من أتباع الرسل السابقين الذين صمدوا أمام عدوهم, ولم يخافوا غير ذنوبهم التي يحسونها من خشية الله, فيعدونها إسرافًا ويستمطرون مدد الله وحياطته بالاستغفار والدعاء الدائمين لجوءًا إلى القوة الغيبية وعدم اغترار منهم بما عندهم, بل انحصرت حالتهم بقول الله: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147] فما أبعد الفرق بينهم وبين القوميين الماديين في حربهم مع اليهود حيث لم نسمع منهم سوى الإقسام بعواصمهم وشخصيات زعمائهم ومذاهبهم الماركسية من الأصنام الناطقة, فلم يذكروا الله طرفة عين, حتى جاءهم بأسه على أيدي أراذل خلقه, والله غالب على أمره.
إن الله وصف لنا طريقة الربيين بصفة عامة من أتباع كل نبي, ورسم لنا صورتهم الظاهرية والباطنية, فمن صورتهم الظاهرية أنهم ما ضعفوا وما وهنوا أمام البلايا والكروب وشدة النزال والإثخان في القتال, ولم تلن قناتهم عن الاستمرار في المصابرة والجهاد, ولم يستكينوا فيستسلموا لأعدائهم, بل مثلوا الصورة الحقيقية للذي يدافع عن عقيدة وهدف سماوي, ثم أوضح لنا صورتهم الباطنية في صدق مشاعرهم وأدبهم مع الله وعدم ذهولهم عنه في أحرج المواقف وأشد أنواع الهول, بل عظموا جنابه, وانحصر طلبهم في نيل رضائه, فكانت ضراعتهم إليه - سبحانه - طلبًا للمغفرة بادئ ذي بدء لا طلبًا للنصر, ثم سألوه التثبيت ليربط على قلوبهم ويلهمهم الصبر, حتى كان النصر آخر دعواهم, وهذا هو المثل الأعلى لطهارة القلوب وإخلاصها, والله يطلب من عباده المتقين أن يكونوا على هاتين الصورتين باطنًا و ظاهرًا, ولكن التربية