الكيد والمكر, حتى تفقد كيانها, فإن قال قائل: إن الثقافة العصرية اتسعت آفاقها وأصبحت ملكًا مشاعًا لكل الأمم, ولم تبق فائدة للثقافة الروحية التي تزعم أصالتها.
قلنا: هذا اعتراض منهزم هزيمة عقلية, وجاهل بالفرق العظيم بين كنه الثقافتين, فالثقافة الروحية الأصيلة مرتكزة على الإيمان بالغيب, الذي يجعل من ضمير الإنسان رقيبًا باطنيًا يراقبه في كل عمل ويخيفه من عقوبات الله العاجلة والآجلة, ويجعله مخلصًا في مقاصده, صادقًا في أقواله, صالحًا مصلحًا في أعماله, كما كان أسلافنا أصلح الخلق, وأنفع الخلق للخلق, وأرحم الخلق بالخلق, لا يسكتون على باطل, ولا يعتدون على أحد, ولا يطمعون في عرض أحد أو ماله, ولا يسيرون مع الهوى في أي شأن من شئونهم.
أما الثقافة العصرية التي تزعمونها عالمية فلا نجد فيها ما يمنع أهلها بالوجدان من الاعتداء على أحد, أو الطمع في ماله أو عرضه, وليس فيها ما يردع مثيري الفتن والأحقاد, ومفاسد الأخلاق, ويردهم إلى رشدهم, وليس فيها ما يلزمهم بالعدل بين الناس، لأن نظرتهم نفعية صرفة, ولذا تمادى اليهود في ظلمهم للعرب وتشريدهم, والتمادي في احتلال بلادهم بلا قاهر ولا رادع, لما تحمله هذه الثقافة المادية من الأنانية البشعة المتفاقم شرها.
فما أبعد الفوارق بين الثقافتين!! وما أجهل من يرخص أصالته الفكرية, ويتنازل عنها, فيكون تابعًا لغيره!! إن هزيمته أعظم من كل هزيمة حربية، لأن الهزيمة الحربية مع صحة الأفكار الأصيلة, وسلامة العقيدة قد يكون منها أعظم الحوافز والاستعداد لأخذ الثأر, ولكن الهزيمة العقلية تتحول بها القيم