فإننا نرى الذين نجحوا في أعلى التدريب العسكري ونالوا في ذلك الميدان درجات وألقابًا رفيعة، وحازوا على أسلحة حديثة فتاكة قد جرهم الضعف المعنوي إلى الخضوع لكتلة بعد ما تخلصوا من كتلة أخرى، لأنهم في الأصل لم يتخلصوا من سيدهم الأول، إلا بركون للسيد الثاني، لما أشربت قلوبهم من الضعف المعنوي، الذي يجعلهم يلتفتون إلى البشر، ويفتقرون إليه من دون الله، وما ذلك إلا لقحط قلوبهم وإقفارها من وحي الله، وكونها تهيم في الخواء الروحي الذي تريده لها اليهودية العالمية أخذًا بوصية أسلافهم القائلين: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) } [فصلت: 26] الغوا فيه، أي: اشغلوا الناس عنه بشتى أصناف اللهو والمغريات من سائر أنواع المجون والترفيه البريء وغير البريء، فإنهم يعلمون أنهم لا يغلبون المسلمين ولا يسيطرون على أدمغة أولادهم حتى يصرفوهم عن وحي الله إلى غيره من وحي الشياطين وأصواتهم، لأن من تشرب قلبه بالقرآن وانحشى صدره به وخالط دمه في عروقه صار فيه ميزتان من بين البشر:
إحداهما: أنه محفوظ بنور الله فهو في حصانة عقلية عن تقبل الأفكار والمذاهب المادية لحمله بضاعة السماء، واكتفائه بها بل استغنائه بها، فليس في قلبه متسع لغزو شياطين الإنس ببضائعهم الفكرية الأرضية ولا يستطيعون إغراءه على الانزلاق في حظيرتهم.
وثانيتهما: أنه يكتسب قوة معنوية لا تعرف ضعفًا ولا لينًا ولا خورًا، ولا تكترث بالشدائد والصعاب، ولا يقف بالنكسة أو النكبة مستهولًا وقوعها أو ممعنًا في ذكراها، بل يضرب الذكر عنها صفحًا كيلا تحز في صدره، وتورثه حسرة، شأن الضعفاء الماديين، فهو لا يكبو إلا لينهض، ولا ينهض إلا ليثبت