الحاكم، حرصًا على جاهٍ مزيف يستهويه، أو حريصًا على وظيفة يسترخص بها نفسه، ويبيع بها دينه، وهي التي تحول المحامي إلى خائن مدافع عن الباطل يجعل ذمته جسرًا لكل خصم ظالم، وهي التي تحول دون الأغنياء ودون تفكيرهم في حال الفقراء والغارمين وهكذا، ويكفيك أنها ذهبت بأكثر البلاد التي فتحها أجدادنا الفاقدون للأنانية المسعورة.
فمن فوائد تحقيق مدلولات: {إياك نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أنها توجه تلك الأنانية توجيهًا صالحًا يجعلها مفتاحًا لعظمة النفوس، وسمو الشخصية، والإخلاص في الطموح، ولا تجعلها تطغى فتحدث هذا التزعزع والتفكك وهذه الهزائم المتلاحقة، لأن طغيان الأنانية يكون في نفس كل زعيم ورئيس شعورًا خاطئًا بامتيازه، أو امتياز أمته أو شعبه، كما يكون هذا في الأمم والشعوب بعضها على بعض، حتى يجعل بعضهم يستعين بأخبث أعدائه على بعض، وحتى يحمل ذلك بعضهم على الاعتداء على أراضي غيره وممتلكاته، فيُحْدِثُ حربًا ضروسًا، ويهلك عدد كبير من البشر.
فلا بد للمسلم المؤمن أن يكون صادقًا مع الله - سبحانه - في تحقيق مدلولات {إياك نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإننا إذا صدقنا مع ربنا في تحقيق ذلك أصبحت فرديتنا قد انصهرت أنانيتها في سبيل المجموع الإسلامي الصحيح، وامتزجت بحاجياته، وانغمرت في صالحه، ولا نحس لعملنا قيمة إلا إذا كان من ورائه نفع لإخواننا المسلمين أين ما كانوا، وكيف كانوا ولا نحس لجهودنا ثمرة أو فخرًا إلا بقدر ما تجلبه على المسلمين من إيصال خير أو دفع ضرر.
وهذا التوجيه للأنانية هو الغاية التي عمل لها الرسل ــ عليهم السلام ــ