وانصهرت آدابهم وأخلاقهم الطيبة في بوتقة من تتلمذوا عليه واحتسوا من قيحه ودمه وصديده, وأصبحوا صورة سيئة لأولئك في عقيدتهم وأخلاقهم ونظمهم في الأسرة والحكم, وفي تفكيرهم الذي غلبت عليه نظريات ومبادئ أولئك, فأصبحوا مغلوبين على عقولهم, متبلورة أفكارهم بما يقذف به أعداؤهم, فصدق عليهم قول الله سبحانه: {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحشر: 19] .
وأي نسيانا للمرء نفسه أشنع من قبوله لمصادرة عقله؟ لأنهم استسلموا لغير الله من كل ملحد وطاغوت، فوقعوا في الشرك المنافي لعبودية الله الصحيحة, والمجانب لصراطه المستقيم، فمرجت عقولهم, وكان أمرهم فرطًا في كل ميدان.
ومن شاهد أحوال الأمم المعرضة عن صراط الله في هذا الزمان والمقلدين لها من أدعياء الإسلام, ورأى ما هم فيه من قيل وقال, وإضاعة للأموال, وخضوع للنساء, وعكوف على الشهوات، عرف كيف أنساهم الله أنفسهم بما اجترحوا, وتحقق سوء مآلهم بكونهم طعمة للفتن, وعبيدًا للمجرمين, وعرف حكمة الله ولطفه بعباده حيث أرشدهم بعد تكرار العهد معه بـ {إياك نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} إلى تكرار الضراعة إليه بقولهم: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وهو الذي لا عوج فيه ولا اشتباه, من سلكه فهو معصوم من الضلال والالتباس, ومن حاد عنه وقع في كثير من المتاهات المهلكة له هلاكًا معنويًا, يعيش به في رق معنوي لا يرتجى تحريره منه, وسكر معنوي لا ترجى إفاقته منه, وسفه معنوي مطبق لا يرتجى معه رشدًا أبدًا.
وعلى هذا فالعبد مضطر غاية الاضطرار دائمًا إلى أن يهديه الله إلى صراطه