وهو {الرحيم} الذي اقتضت رحمته وحكمته أن يجعل ماء العينيين مالحًا، ليحفظ شحمهما من الذوبان , وجعل ماء الأذن مرَّا، ليمنع الذباب وسائر الحشرات من الولوج فيها لصعوبة خروجه منها, ودقة إيذائه إذا بقي فيها, وجعل ماء الأنف لزجًا ومسالكه ملتوية ليتقمع الداخل المؤذي , ويطيب التنفس , وترهف حاسة الشم , وجعل ماء الفم حلوًا رائقًا ليطيب للإنسان بما يمضغه من الطعام , كما جعل في اللسان أجهزة دقيقةً كثيرةً جدًا لتمييز التذوق , وجعل في الفم نفسه أجهزة لحسن الابتلاع واتقاء الضرر.
وهو {الرحيم} الذي جعل الليل والنهار , هذا صالح للسكن , مفيد نومه صحيًا , وهذا للعمل واكتساب الرزق , كما يأتي توضيح ذلك في سورة القصص - إن شاء الله - , ثم هو {الرحمن} ذو الرحمة العامة الشاملة لجميع الخلق , حتى الكافر والفاسق والمتمرد , وهو {الرحيم} ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين كما نص على ذلك في الآية (157) من سورة الأعراف , كما سنوضحه بحوله تعالى وقوته , وهو {الرحمن الرحيم} في خلقه وتكوينه, وحسن تصويره , وقسمته للأرزاق , وتشريعه لخلقه من الدين ما يحرر نفوسهم ويزكيها, وتشريعه لهم من الأحكام ما يحصل به عموم الرحمة والسعادة والرفاهية والأمن والعيشة الراضية في الدارين , فتحليله رحمة , وتحريمه رحمة، وعزيمته رحمة , ورخصته رحمة , وعقوباته رحمة, ومصائبه وبلاياه رحمة ظاهرة, لمن تدبرها , وخافيه لمن عمي أو غفل عنها , فهو {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} البالغ في الرحمة غايتها , والذي هو أرحم بخلقه من الوالدة بولدها.
واعلم أنه لا ينافي عموم رحمته ما يجريه على خلقه من النكبات التي هي