الماديين وقلاقلهم, مهما حصروا إيمانهم في رئيس أو جماعة أو أمة أو دولة أو مذهب فاشي أو سواه من الفلسفات المؤدية إلى الولاء الجماعي لطاغية يتحكم في الشعوب وباسم الشعوب. فيعرضها للويلات, ويسوقها للمجازر, فقد أثبت الواقع أن الولاء الجماعي كلف الناس مثلما كلفهم الهوى الفردي من شطط, فما أعظم خسارة العالم بانحطاط المسلمين وابتعاد العرب خاصة عن حمل رسالة رب العالمين.
التاسع والعشرون: من أجل ذلك كانت عبودية الله المرتكزة على وحيه وهداه تستلزم الكفر بالطاغوت, فنص الله نصا قاطعا على الكفر به, فقال: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256] , {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36] (1) . والطاغوت اسم جنس يعم كل ما يُطغي البشر عن الحق من أي مبدأ كان وأي طريقة وأي شخص يرتكز نفسه بفلسفات أو شعارات مناقضة لملة إبراهيم, ومخالفة لحكم الله ورسوله في أي نوع من الأنواع, وسُمي طاغوتًا لإطغائه البشر عن طريق العبودية الصحيحة لله, وتعلقهم بشخصيته هو, وإخضاعهم لإرادته دون هدى الله قهرًا، أو دجلًا وتضليلًا كما هو المشاهد في هذا الزمان الذي تفنن فيه تلاميذ الإفرنج ببلورة الأفكار والجناية على العقول, والطغيان في اللغة: مجاوزة الحد, فكل من جاوز حده في المعصية والضلال فهو طاغٍ, يقال:"طغى السيل و طغى الماء"فالرجل الذي يطغي الناس عن هدي رب العالمين بما يلقيه عليهم من فتنة الشبهات
1 -بسطنا الكلام على أنواع الطاغوت في تفسير هذه الآية أكثر مما هنا؛ لأن لكل مقام مقالًا.