أحدًا على ذلك, فضلًا من أن يستحسن اتجاهه, ذلك أن الإنسانية من أقدم العصور إلى أحدثها تتقلب بين نظامين تعتبرهما أساسًا للحياة:
أولها: نظام الفترة النابض بحيوية الحق والخير, وهو الذي تؤيده التشريعات السماوية, وتقبله العقول المستقيمة التي لم تتبلور بالأوهام والأضاليل من العبادات القلبية والبدنية والمالية المقومة لروح المجتمع والجالبة له رضا الله, ومن الأخلاق الحسنة الفردية والعمومية الجالبة للصلاح والفلاح, ومن الروابط الأدبية والاجتماعية الماحقة للأثرة والأنانية, ومن حسن المعاملة والتعاون على البر والتقوى في المنازل والأسواق والأندية والمصانع وسائر الميادين, وتشكيل المحاكم والأحكام ونظم السلم والحرب, وفق ماشرعه الله, مما يلائم تلك الفطرة, ولا يجلب ضررًا و لاضرارًا بأحد في سائر التشريعات الاجتماعية والاقتصادية.
ثانيها: ما يعارض هذه الأنظمة من نظم الجاهلية أو مبتكرات أهل هذا الزمان التي هي شر منها بكثير من التفسخ والانحلال الخلقي باسم التقدم والتخنث, والميوعة باسم الحضارة, وكبت الحريات بدعوى صالح الدولة, أو الثورة وتقديس الأشخاص والتماثيل باسم الفكرة أو المبدأ المنتحل, وتعطيل ما أباحه الله من الاكتساب ومحاربة الأغنياء, وتأميم أعمالهم بدعوى محاربة الاستغلال, وتربية الناس على الإيمان بالمادة واستحلال ما لذ وطاب, فهؤلاء كالأنعام بل هم أضل سبيلًا, فمن استحسن هذا النظام الحيواني المرتكز على المادة بجميع أنواعها فهو مجانب لعبودية الله وعابد لشيطانه وهواه, ومن حمل الأمة على ذلك ودعا إليه فهو محاد لله ورسوله يجب على عباد الله بغضه ومنابذته، لأنه يريد أن يركس الناس في جاهلية أفظع من الجاهلية الأولى.