الثالث والستون: بعبودية الله يتمايز قلب المؤمن بالثبات على الحق حيثما كان, والدأب في نصرته بهمة عالية وعزم قوي, لا يثنيه عنه كثرة خصومه مهما تكالبت عليه قوى الشر, إذ لا يعتبرها في جنب الله إلا كالفراش مقتديًا بعباد الله الصالحين, كموسى مع فرعون وملئه, وإبراهيم مع النمرود وأشراره, ومحمد صلى الله عليه وسلم مع صناديد قريش.
الرابع والستون: عبودية الله بعزيمة صادقة تحقق لأهلها التوكل على الله الذي هو لب الإيمان وجوهر العقيدة, وبتحقيقه قويت الصحابة الكرام على غزو فارس والروم دون الانتصار بأحدهما على الآخر, الذي هو شأن الساسة المكرة من خلف السوء إلى اليوم، لأن حقيقة التوكل هو الاعتماد على الله باعتقاد جازم أنه هو الحسيب على عباده, الكافي لهم شر أعدائهم, وكلما قوي التوكل قويت العزيمة على الإقدام والأخذ بالأسباب في غاية المستطاع, فهو خير حافز على القوة بخلاف التواكل الذي هو مجرد عجز وجبن يئول إلى زعزعة العقيدة وضعف النفس, فشتان ما بينه وبين التوكل الصحيح , ومن أراد الاعتبار بالفرق العظيم بين التوكل والتواكل , فلينظر إلى موقف قوم موسى لما أمرهم بدخول الأرض المقدسة, وموقف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر, ويكفيه عبرة.
الخامس والستون: عباد الله لا يستحبون الدنيا على الآخرة, فذلك من صفات الكافرين, بل يعتبرونها مزرعة للآخرة, فيبذلون أقصى مجهودهم بجلائل الأعمال والمسابقة إلى الخيرات وإصلاح الدنيا على وفق شرع الله, فسيرهم فيها وسط بلا إفراط ولا تفريط لم يجعلوها أكبر همهم ولم يتعلقوا بالمادة هذا التعلق المشين ولم يسلكوا الزهد الهندي الذي لم يشرعه الله فيعيشوا في