فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 860

[حديث: لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي فليلج النار]

106# وبه قال: (حدثنا علي بن الجَعْد) ؛ بفتح الجيم، وإسكان العين، آخره دال مهملتين: الجوهري البغدادي (قال: أخبرنا شعبة) : ابن الحجاج (قال: أخبرني) ؛ بالإفراد (منصور) : ابن المعتمر (قال: سمعت رِبْعِيَّ) ؛ بكسر الراء، وإسكان الموحدة، وكسر المهملة، وتشديد التحتية (ابن حِراش) ؛ بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالشين المعجمة: ابن جحش _بفتح الجيم، وإسكان المهملة، آخره معجمة_ ابن عمرو الغطفاني العبسي _بالموحدة_ الكوفي، الذي لم يكذب قط، الحالف أنه لا يضحك حتى يعلم أين مصيره إلى الجنة أو النار، فما ضحك إلا بعد موته، المتوفى في خلافة عمر بن عبد العزيز أو سنة أربع ومئة.

(يقول: سمعت عليًّا) : ابن أبي طالب الصديق الأصغر، أحد الخلفاء الراشدين، تولى الخلافة خمس سنين، وتوفي بالكوفة ليلة الأحد تاسع عشر رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة، وكان ضربه عبد الرحمن بن ملجم بسيف مسموم على دماغه ليلة الجمعة، وأخفي قبره؛ خوفًا من الخوارج، الهاشمي المكي ابن عم رسول الله عليه السلام وختنه على بنته فاطمة الزهراء، واسم أبي طالب: عبد مناف على المشهور، وأم علي: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وكنيته: أبو الحسن، وكناه عليه السلام: أبا تراب.

وفي سفح جبل قاسيون في ديارنا الشريفة الشامية مدفن منور فيه قبور، عليها مهابة وجلالة، وبينهم قبر محجر، وعليه شاهدة مكتوب عليها أسطر، وفيها اسم علي، والله أعلم هل هو أم من أولاده؟ لكن قد أتى سيدنا العارف الكبير الشيخ عبد الغني النابلسي ذلك الموضع، واعتمد أنه قبره وصور على حجرته صورة الكأس المعلوم، وقال: إنِّي شممت رائحة النبوة من هنا، وهذا المدفن تجاه مدفن أبي بكر بن قوام الولي الكبير.

وأخبرني رجل ثقة: أن قبره في أعالي سفح الجبل فوق المدفن بخطوات، فذهبت إلى هناك ورأيت قبرًا واحدًا عليه حجر واحد، وإني رأيت عليه مهابة وجلالة، وأظنه أنه هو، والله أعلم.

أي: سمعت عليًّا حال كونه (يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكذبوا عليَّ) : نهي بصيغة الجمع، وهو عام في كل كذب مطلق في كل نوع منه في أحكام الدين وغيرها، سواء كان عليه أو له.

والكذب على الله تعالى داخل تحت الكذب على رسوله.

فإن قلت: الكذب من حيث هو معصية، فما فائدة لفظة: (عليَّ) ، فإن الحكم عام في كل من كذب على أحد؟

أجيب: بأنه لا شك أن الكذب عليه عليه السلام أشد من الكذب على غيره؛ لكونه مقتضيًا شرعًا عامًا باقيًا إلى يوم القيامة، فخصص بالذكر لذلك، أو الكذب عليه كبيرة، وعلى غيره صغيرة، والصغائر مكفرة عند الاجتناب عن الكبائر، وما قيل إنه لا يتصور أن يكذب له؛ لأنَّه عليه السلام نهى عن مطلق الكذب، ففيه نظر؛ لأنَّ الكذب عليه: هو ما يذكر من أحواله وصفاته؛ من نومه، ومأكله، وملبسه، وغير ذلك على خلافها فيه، والكذب له: هو ما يقال: إنه قال في حق كذا وكذا، وأمر لكذا كذا، وغير ذلك مما لم يعهد له فافترقا؛ فافهم.

(فإنَّه) ؛ أي: الشأن (من كذب) ؛ بالتخفيف (عليَّ) أو لي؛ (فليلج النار) : جواب النهي، ولذا دخلته الفاء، والضمير في (إنَّه) للشأن، وهو اسم (إنَّ) ، وقوله: (من كذب عليَّ) : محله رفع خبر (إنَّ) ، و (من) : موصولة تتضمن معنى الشرط، وقوله: (فليلج النار) : جواب الشرط، فلذا دخلته الفاء؛ أي: ليدخل النار، و (النار) : منصوب؛ بتقدير: (في) ؛ لأنَّ أصله لازم؛ أي: ليدخل في النار، هذا جزاؤه وقد يجازى به.

وقد يعفو الله عنه، ولا يقطع عليه بدخول النار، وكذا كلما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر، فإن جوزي وأدخل النار؛ فلا يخلد فيها، بل يخرج بفضله تعالى ولو بعد مدة طويلة، وأتى بلفظ الأمر ومعناه الخبر، ويؤيده رواية مسلم: «من يكذب عليَّ؛ يلج النار» ، ولابن ماجه: «فإنَّ الكذب عليَّ يولج النار» ، وقيل: دعاء عليه، ثم أخرج مخرج الذم، كذا قيل.

وفي الحديث: دليل على تعظيم حرمة الكذب على النبي الأعظم عليه السلام وأنه كبيرة، والمشهور أن فاعله لا يكفر إلا إذا استحله، ولا فرق في تحريم الكذب على النبي الأعظم بين ما كان في الأحكام وغيره كالترهيب والترغيب؛ فكله حرام بإجماع المسلمين، خلافًا للكرامية في زعمهم أنه يجوز الوضع عليه في الترغيب والترهيب، وتابعه كثير من الجهلة الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد، ومنهم من زعم أنه جاء في رواية: (من كذب عليَّ متعمدًا؛ ليضل به) ، وتمسكوا بهذه الزيادة أنَّه كذب له لا عليه، وهذا فاسد.

وإنَّ من روى حديثًا وعلم أو ظن أنه موضوع؛ فهو داخل في هذا الوعيد، وإن من روى حديثًا ضعيفًا لا يذكره بصيغة الجزم، بل يقول: روي، وجاء، ونقل، وإن مما يظن دخوله في النهي اللَّحنُ وشبهه، ولهذا قالوا: ينبغي للراوي أن يعرف من النحو، واللغة، والأسماء ما يسلم من قول ما لم يقل، فإذا صح في الرواية ما هو خطأ ما حكمه؟، والجمهور على روايته على الصواب ولا يغيِّره في الكتاب، بل يكتب في الهامش: كذا وقع، وصوابه: كذا، وهو الصواب، وقيل: يغيِّره ويصلحه.

والواضعون قسمان: أحدهما: قوم زنادقة؛ كالمغيرة بن سعيد الكوفي وغيره، وضعوا: أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي إن شاء الله، والثاني: قوم تعصبوا لعلي، فوضعوا فيه أحاديث، وقوم تعصبوا لمعاوية، وقوم تعصبوا لإمامنا الأعظم.

قال ابن الصلاح قال: رويت عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟ فقال: رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة الإمام الأعظم، فوضعت هذا الحديث، قال يحيى: نوح هذا ليس بشيء، لا يكتب حديثه، وتمامه في «عمدة القاري» .

[ص 66]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت