[حديث: من كذب علي فليتبوَّأ مقعده من النار]
107# وبه قال: (حدثنا أبو الوليد) : هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري (قال: حدثنا شعبة) : بن الحجاج، (عن جامع بن شداد) : المحاربي أبو صخر الكوفي، المتوفى سنة ثماني عشرة ومئة، (عن عامر بن عبد الله بن الزبير) : بن العوَّام الأسدي القرشي أبو الحارث المدني، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئة، (عن أبيه) : عبد الله بن الزبير بن العوَّام أبو بكر، الصحابي بن الصحابي، أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، ولدته أمه أسماء بنت الصديق الأكبر بقباء، وأتت به النبي الأعظم عليه السلام فوضعه في حجره، ودعا بثمرة فمضغها ثم تفل في فيه وحنَّكه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق النبي الأعظم عليه السلام، ثم دعا [1] له، وكان أطلس لا لحية له، بويع بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية سنة أربع وستين، واجتمع على طاعته أهل الحجاز، واليمن، والعراق، وخراسان [2] ما عدا الشام، وجدد عمارة الكعبة، وجعل لها بابين وحج بالناس ثماني حجج، وبقي في الخلافة إلى [أن] حصره الحجاج بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنين وسبعين، ولم يزل يحاصره [3] إلى أن أصابته رمية الحجر، فمات وصلبَ جثته وحمل رأسه إلى خراسان [4] رضي الله عنه.
أنَّه (قال: قلت للزُّبير) ؛ بضم الزاي: بن العوَّام _بتشديد الواو_، القرشي أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى وحواري النبي الأعظم عليه السلام، وكان يوم الجمل قد ترك القتال وانصرف عنه فلحقه جماعة من الغزاة فقتلوه بوادي السباع بناحية البصرة، ودفن سنة ست وثلاثين، ثم حول إلى البصرة، وقبره
[ص 66]
مشهور بها، وكان له أربع نسوة، ودفع الثلث فأصاب كل امرأة منهن ألف ألف ومئتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومئة ألف.
(إنِّي لأسمعك تحدث) ؛ أي: لأسمع تحديثك، وحذف مفعوله، وفي رواية إسقاط: (إنِّي) ، (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث) : الكاف للتشبيه، و (ما) : مصدرية؛ أي: كتحديث (فلان وفلان) : سمَّى منهما في رواية ابن ماجه: عبد الله بن مسعود، (قال) ؛ أي: الزبير: (أَمَا) ؛ بفتح الهمزة وتخفيف الميم، حرف تنبيه (إِنِّي) ؛ بكسر الهمزة (لم أفارقه) عليه السلام، جملة من الفعل والفاعل والمفعول، محلها الرفع خبر: (إنَّ) ، زاد في رواية: (منذ أسلمت) ، وأراد به عدم المفارقة الصرفية؛ أي: ما فارقته سفرًا وحضرًا، وهجرته إلى الحبشة كانت قبل ظهور شوكة الإسلام؛ أي: ما فارقته عند ظهوره، أو المراد في أكثر الأحوال.
(ولكني) : وفي رواية: (لكنني) ؛ بنونين، ويجوز في (أن) وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدم الإلحاق، وهي للاستدراك، وشرطه التوسط بين كلامين متغايرين، وهما هنا لازم عدم المفارقة السماع، ولازم السماع التحديث عادة، ولازم الحديث الذي ذكره في الجواب عدم التحديث، والمناسب لـ (سمعت) (قال) ؛ ليوافقا ماضيًا لكن عدل [5] إلى المضارع؛ استحضارًا لصورة القول للحاضرين والحكاية عنها كأنه يريهم أنه قائل به الآن.
(سمعته) عليه السلام (يقول: من) : موصولة تتضمن معنى الشرط، وقوله: (كَذب) ؛ بفتح الكاف وتخفيف الذال (عليَّ) ؛ بفتح التحتية، أو لي صلة الموصول، وقوله: (فليتبوأ) : جواب الشرط، فلذا دخلته الفاء بكسر اللام هو الأصل، وبالسكون هو المشهور، وهو أمر من التبوُّء؛ وهو اتخاذ المباءة [6] ؛ أي: المنزل؛ أي: فليتخذ.
(مقعدَه) ؛ بالنصب مفعول لـ (يتبوأ) (من) : هي بمعنى (في) ؛ كما في قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] ؛ أي: في (النار) : والأمر هنا معناه الخبر، يريد: أن الله يبوِّئه مقعده من النار، وقيل: الأمر بالتبوء تهكم وتغليظ، وقيل: الأمر على حقيقته؛ أي: من كذب فليأمر نفسه بالتبوء، والظاهر والأولى أن يكون الأمر أمر تهديد، أو يكون دعاء على معنى بوأه الله مكانًا في النار.
واختلف في الكذب؛ فقيل: معناه الخصوص؛ أي: الكذب في الدين، كأن ينسب إليه تحريم حلال أو تحليل حرام، وقيل: كان ذلك في رجل بعينه كذب عليه عليه السلام، واحتجاج الزبير ينفي التخصيص، فهو عام في كل كذب في الدين والدنيا، ومن قصد الكذب على النبي الأعظم عليه السلام ولم يكن في الواقع كذبًا؛ فإنَّه يأثم بسبب قصده للكذب لا بسبب الكذب؛ لأنَّ قصد المعصية معصية، وإنما توقف الزبير في الرواية والإكثار منها؛ لأجل خوفه الغلط والنسيان، والغالط والناسي وإن كان لا إثم عليه فقد ينسب إلى تفريط؛ لتساهله، وأمَّا من أكثر منهم؛ فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت وإطالة أعمارهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان.
والحديث بعمومه يتناول العامد، والساهي، والناسي في إطلاق اسم الكذب عليهم، غير أن الإجماع انعقد على أن الناسي لا إثم عليه، كذا قرره الشيخ الإمام بدر الدين العيني في «عمدة القاري» قدس سره.
[1] في الأصل: (دعى) .
[2] في الأصل: (وخرسان) .
[3] في الأصل: (يحاصله) .
[4] في الأصل: (خرسان) .
[5] في الأصل: (عدم) .
[6] في الأصل: (المناءة) .
[1] في الأصل: (دعى) .
[2] في الأصل: (وخرسان) .
[3] في الأصل: (يحاصله) .
[4] في الأصل: (خرسان) .
[5] في الأصل: (عدم) .
[1] في الأصل: (دعى) .
[2] في الأصل: (وخرسان) .
[3] في الأصل: (يحاصله) .
[4] في الأصل: (خرسان) .
[5] في الأصل: (عدم) .