فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 860

[حديث: كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد تختلف]

261# وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مسَلَمَة) ؛ بفتح الميم الأولى والثانية؛ هو القعنبي، ولذا زاد مسلم: (ابن قعنب) (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (أَفْلَح) ؛ بفتح الهمزة واللام، وسكون الفاء، آخره حاء مهملة (بن حُميد) ؛ بضمِّ الحاء المهملة، الأنصاري المدني، وقد وقع في نسختنا الصحيحة هكذا، (أفلح بن حميد) ؛ بذكر أبيه (حميد) ، كما وقع في رواية مسلم، وفي أكثر النسخ: (أفلح) غير منسوب، وهو ابن حميد بلا خلاف، وليس في البخاري غيره، كذا قاله صاحب «عمدة القاري» ، (عن القاسم بن محمَّد) : هو ابن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أجمعين، (عن عائشة) : الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما، (قالت: كنت أغتسل) أي: من الجنابة (أنا والنبيُّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ بالرفع عطف على الضمير المرفوع في (كنت) ، وأبرز الضمير؛ ليصح العطف عليه، ويجوز فيه النصب على أنَّه مفعول معه، فتكون الواو للمصاحبة، كذا في «عمدة القاري» (من إناء واحد تختلف أيدينا فيه) ؛ أي: في الإناء، والظاهر أنَّه الفرق، وهو صاعان، كما قدمنا، والجملة محلها النصب؛ لأنَّها حال من قوله: (من إناء واحد) ، والجملة بعد المعرفة حال، وبعد النكرة صفة، والإناء هنا موصوف، ومعنى اختلاف الأيدي في الإناء؛ يعني: الإدخال فيه، والإخراج منه.

وفي رواية مسلم في آخره: (من الجنابة) ؛ أي: لأجل الجنابة.

وفي رواية أبي عَوانة وابن حبان بعد قوله: (تختلف أيدينا فيه: وتلتقي) .

وفي رواية الإسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان عن أفلح: (تختلف فيه أيدينا؛ يعني: حتى تلقتي) .

وفي رواية البيهقي من طريقه: (تختلف أيدينا فيه؛ يعني: وتلتقي) ، وفيه إشعار بأنَّ قوله: (وتلتقي) مدرج.

وفي رواية أخرى لمسلم من طريق معاذ عن عائشة: (فيبادرني حتى أقول: دع لي) .

وفي رواية النسائي وأبي ذر: (حتى يقول: دع لي) ، ومما يستنبط منه: جواز اغتراف الجنب من الماء الذي في الإناء، وجواز

[ص 273]

التطهير بذلك الماء، وبما يفضل منه، كذا قرره إمام الشارحين في «عمدة القاري» ، ثم قال:(ومطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث جواز إدخال الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن عليها قذر، يدل عليه قول عائشة: «تختلف أيدينا فيه» ، واختلاف الأيدي في الإناء لا يكون إلا بعد الإدخال، فدل ذلك على أنَّه لا يفسد الماء، فإن قلت: الترجمة مقيدة، وهذا الحديث مطلق.

قلت: القيد المذكور في الترجمة مراعًى في الحديث للقرينة الدالة على ذلك؛ لأنَّ شأن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وشأن عائشة أجل من أن يدخلا أيديهما في إناء الماء، وعلى أيديهما ما يفسد الماء، وحديث هشام الآتي أقوى القرائن على ذلك، وهذا هو التحقيق في هذا الموضع، وبهذا ظهر فساد ما ذكره الكرماني من أنَّ ذلك ندب، وهذا جائز)انتهى كلام «عمدة القاري» .

وزعم ابن حجر أنَّ في الحديث دلالة على أنَّ النهي عن انغماس الجنب في الماء الدائم إنَّما هو للتنزيه؛ كراهية أن يستقذره لا لكونه يصير نجسًا بانغماس الجنب فيه.

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: (هذا الكلام على إطلاقه غير صحيح؛ لأنَّ الجنب إذا انغمس في الماء الدائم لا يخلو إمَّا أن يكون ذلك الماء كثيرًا أو قليلًا، فإن كان كثيرًا؛ نحو الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، فإنَّ الجنب إذا انغمس فيه لا يفسد الماء، وهل يطهر الجنب أم لا؟ فيه خلاف) انتهى.

واعترضه العجلوني فقال: (لا إطلاق في كلامه للقرينة الدالة على التقييد، وهي قوله: «كراهية أن يستقذر» ، ولئن سلمنا أنَّه مطلق؛ فالنهي للتنزيه، كما قال، وحينئذٍ فلا يفسد الماء بتنجيسه وإن كان يسلبه الطهورية لو كان قليلًا) انتهى.

قلت: وهو مردود، فإنَّ الإطلاق في كلامه ظاهر.

وقوله: (كراهية أن يستقذر) ليس بقرينة على عدم الإطلاق؛ لأنَّ القرائن لا بد لها من دليل، ولم يوجد، بل القرينة ظاهرة على الإطلاق؛ لأنَّه عليه السلام حين يتوضأ؛ يبتدر الصحابة وضوءه، فهو دليل على أنَّ قوله: (كراهية أن يستقذر) ممنوع؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما فعل الصحابة ذلك، وصرح أئمتنا بجواز شربه، والعجن به، وغير ذلك.

وقوله: (ولئن سلمنا ... ) إلخ تسليم منه هذا الإطلاق.

وقوله: (فالنهي للتنزيه ... ) إلخ ممنوع؛ فإنَّه عليه السلام قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من الجنابة» ، فهذا النهي مطلق، وهو يوجب التحريم، كما هو ظاهر على أنَّ فساد الفعل مشروع عندنا، وهو قول الجمهور خصوصًا على قول إمامه الشافعي إذا تجرد عن التأكيد، فكيف وقد أُكِّد؟ ولأنَّه لو كان كذلك؛ لما قُيِّد بالدائم، فالجاري يشاركه فيه، ولأنَّه نهاه عن الاغتسال مع شدة الاحتياج إليه؛ لأنَّه مأمور به، فلو لم يستأثر المأمور به؛ لم يفد النهي، وكلام الشارع مصون عن عدم الفائدة، ولأنَّ القياس في الكثير أن ينجس؛ لأنَّ الجزء الذي لاقته النجاسة ينجس بملاقاة النجاسة إياه، وإذا تنجس ذلك الجزء؛ تنجس الجزء الذي يليه بالسريان إليه، وهكذا حتى ينجس جميع الماء، لكن تركنا القياس في الكثير؛ للضرورة؛ لأنَّ صون الكثير في الأواني غير ممكن ولا ضرورة في القليل؛ لإمكان صونه في الأواني، فعملنا فيه بالقياس، وتمامه في «منهل الطلاب» ؛ فافهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت