فهرس الكتاب

الصفحة 625 من 860

[حديث: نهى النبي عن بيعتين عن اللماس والنباذ]

368# وبالسند إليه قال: (حدثنا قَبِيْصَة) بفتح القاف، وكسر الموحدة، وسكون التحتية، وفتح الصاد المهملة (بن عُقْبة) بضم العين المهملة، وسكون القاف، وليس في رواية الأصيلي: (ابن عقبة) (قال: حدثنا سفيان) : هو الثوري، (عن أبي الزِّناد) ؛ بكسر الزاي وبالنون: هو عبد الله بن ذكوان، (عن الأعرج) : هو عبد الرحمن بن هرمز التابعي، (عن أبي هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه (قال: نهى النبيُّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم عن بيعتين) ؛ تثنية بيعة؛ بفتح الموحدة وكسرها، والفرق بينهما: أن الفَعلة؛ بالفتح: للمرة، وبالكسر: للحالة والهيئة، كما في «عمدة القاري» ، والفتح هو الذي في «الفرع» ، كما قاله القسطلاني، ثم قال: (وهو المشهور على الألسنة، لكن الأحسن الكسر) انتهى.

قلت: وفيه نظر؛ فإنه إذا كان الفتح ثابتًا في «الفرع» ؛ فلا اعتبار؛ لاشتهاره على الألسنة؛ لأنَّه لا يعتد به، فكم من اشتهر على الألسنةِ! وهو خطأ والصواب خلافه، فلو أسقطها؛ لكان أولى، وهو من هفواته.

وقوله: (لكن الأحسن الكسر) : مسلَّم؛ لأنَّ المراد بالبيعة هنا: الهيئة والحالة؛ كالركبة والجلسة؛ فافهم، ولهذا سوى إمام الشَّارحين بين الفتح والكسر، وأحال الأحسن منهما على المراد به ههنا، كما يقتضيه السياق؛ فليحفظ أحدهما.

(عن اللِّماس) ؛ بكسر اللام، وهو مصدر من لامس، من باب (فاعل) ، وقد علم أن مصدره يأتي على (مفاعلة) ؛ مثل: ملامسة، وعلى (فعال) ؛ مثل: لماس؛ وهو لمس الثوب بلا نظر إليه، وفيه وجوه؛ أحدها: أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة، فيلمسه المشتري، ويقول له صاحبه: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، وخيارك إذا رأيته، الثاني: أن يجعلا نفس اللمس بيعًا، فيقول: إذا لمسته؛ فهو مبيع لك، والثاني ما أشار إليه بقوله: (و) عن (النِّباذ) ؛ بكسر النون، وبالذال المعجمة، يأتي من بابه (فعال) ؛ مثل: نباذ، وعلى

[ص 466]

(مفاعلة) ؛ مثل: منابذة؛ وهي أن يجعل نفس النبذ بيعًا، وأن يقول: إذا نبذته إليك؛ فلا خيار لك إذا رأيته، ويحتمل أن يراد به نبذ الحصى، وذلك كأن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، وأن يقول: لك الخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة، أو أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعًا كأن يقول: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة؛ فهو مبيع بكذا، والملامسة والمنابذة وإلقاء الحجر كانت بيوعًا في الجاهلية، وكأن الرجلان يتساومان المبيع، فإذا ألقى المشتري عليه حصاة، أو نبذه البائع إلى المشتري، أو لمسه المشتري؛ لزم البيع، وقد نهى الشَّارع صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذلك، كذا في «عمدة القاري» نقلًا عن علمائنا الأعلام قدس الله أرواحهم.

قلت: وهذه الثلاثة البيع فيها فاسد؛ للنهي المذكور في الحديث، وذلك لوجود الشرط الفاسد، أو لعدم الرؤية، أو لوجود القمار، فكانت فاسدة إن سبق ذكر الثمن، وسوف يأتي في (البيوع) بقية الكلام عليه؛ فليحفظ.

(وأن يشتمل) عطف على قوله: (عن بيعتين) ؛ أي: ونهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أيضًا أن يشتمل، وكلمة (أن) مصدرية؛ والتقدير: أي: وعن اشتمال الثوب كالصخرة (الصماء) ؛ لأنَّها مسدودة المنافذ، فيتعذر أو يتعسر على المشتمل إخراج يديه منه؛ لما يعرض له في صلاته من دفع بعض الهوام ونحوها، أو لانكشاف عورته على تفسير الفقهاء، وهو الموافق لما عند المؤلف في (اللباس) ، كما قدمناه، وفي رواية ابن عساكر: (وأن يُشتمل) ؛ بضم أوله مبنيًّا للمفعول، و (الصماءُ) ؛ بالرفع نائبًا عن الفاعل، (و) نهى (أن يَحتبِي) ؛ بفتح أوله، وكسر الموحدة، وفي رواية ابن عساكر: بضم أوله، وفتح الموحدة (الرجل) ؛ أي: عن احتباء الرجل القاعد على إليتيه منصبًا ساقيه، ولفظة (الرجل) ساقطة في رواية الأصيلي وابن عساكر؛ ملتفًّا (في ثوب واحد) ؛ أي: ليس على فرجه منه شيء، فإن الاحتباء المطلق هنا محمول على المقيد في الحديث الذي قبله، كما قاله إمام الشَّارحين، ففيه: النهي عن اشتمال الصماء، وهو مكروه على تفسير أهل اللغة، ويحرم على تفسير الفقهاء إن انكشف به بعض العورة، وإلا؛ فيكره، وفيه: النهي عن الاحتباء الذي فيه كشف العورة، وهو حرام مطلقًا، سواء كان في الصلاة أو خارجها، كما قدمناه؛ فافهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت