[حديث: ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان]
369# وبالسند إليه قال: (حدثنا إسحاق) : غير منسوب في رواية الأكثرين، وفي نسخة عن رواية أبي ذر: (إسحاق بن إبراهيم) ، قال إمام الشَّارحين: (ولكونه ذكر غير منسوب تردد فيه الحفاظ؛ فمنهم من قال: إسحاق بن منصور، ومنهم من قال: إسحاق بن إبراهيم المشهور بابن راهويه؛ لأنَّ كلًّا منهما يروي عن يعقوب بن إبراهيم، والنسخة التي فيها: إسحاق بن إبراهيم: هي الأصح) انتهى.
ويدل عليه ما قاله الجياني عن ابن السكن: (إذا ذكر إسحاق غير منسوب؛ يكون ابن راهويه) .
قلت: وهذا هو الظاهر كما لا يخفى، فهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي، المشهور بابن راهويه، المتوفى بنيسابور، سنة ثمان وثلاثين ومئتين، وما زعمه ابن حجر رده إمام الشَّارحين؛ فافهم.
(قال: حدثنا) وللأصيلي: (أخبرنا) (يعقوب بن إبراهيم) : هو ابن سعْد؛ بسكون العين المهملة، سبط عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب) : هو محمد بن عبد الله ابن أخي ابن شهاب الزهري، (عن عمه) : هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (حُمَيْد) بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وسكون التحتية (بن عبد الرحمن بن عَوْف) ؛ بفتح العين المهملة، وسكون الواو، التابعي: (أن أبا هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه (قال: بعثني أبو بكر) : هو عبد الله بن أبي قحافة، واسمه عثمان الصديق الأكبر رضي الله عنه (في تلك الحجة) ؛ أي: التي أمَّر النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم الصديق على الحاجِّ، وهي قبل حجة الوداع بسنة، وهي السنة التاسعة، كما في «عمدة القاري» .
(في مؤذنين) ؛ أي: في رهط يؤذنون في الناس (يوم النحر) : وهو يوم العاشر من ذي الحجة، وكأنه مقتبس مما قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ} [التوبة: 3] ، وفي رواية أبي داود: (يوم الحج الأكبر يوم النحر) ، والحج الأكبر: الحج، قلت: والحج الأصغر: العمرة، قاله إمام الشَّارحين.
(نؤذن) ؛ بالنون، ثم الهمزة (بِمِنًى) ؛ بكسر الموحدة، والميم، وبالقصر، وهي على ثلاثة أميال من المزدلفة، ومقول (المؤذنين) هو قوله: (ألا يحج بعد العام مشرك) ؛ بإدغام نون (أن) في (لا يحج) ؛ لأنَّ أصله: أن لا يحج، فصار (ألَّا) ؛ بفتح الهمزة، وتشديد اللام، وهذه رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (أَلَا لا يحج) ؛ بأداة الاستفتاح قبل حرف النفي، ويحتمل أن تكون (أن) تفسيرية، فـ (لا) نافية، و (يحجُ) و (يطوفُ) ؛ بالرفع، وزعم ابن حجر أن (لا) حرف نهي، ورده إمام الشَّارحين فقال: (وليس كذلك، بل هو حرف النفي) انتهى.
قلت: وهو الظاهر، والمعنى عليه؛ فافهم.
وقال ابن الدماميني: لأن ما بعده: (ولا يطوف) انتهى.
يعني: فـ (لا) : حرف نفي لا نهي، ويحتمل أن تكون (أن) ناصبة، فـ (يحجَّ) و (يطوفَ) نصبٌ، وقال الكرماني:(هل يكون ذلك العام داخلًا في هذا الحكم أم لا؟
قلت: الظاهر أن المراد: بعد خروج هذا العام لا بعد دخوله)، قال إمام الشَّارحين: (وينبغي أن يدخل هذا العام أيضًا بالنظر إلى التعليل) انتهى.
(ولا يطوف بالبيت عريان) ؛ بالنصب عطفًا على المنصوب قبله، أو بالرفع، كما سبق، فإن منع الطواف عاريًا يدل على وجوب ستر العورة، وهذا وجه المطابقة لما ترجم له؛ لأنَّ ستر العورة إذا كان شرطًا في الطواف الذي هو يشبه الصلاة؛ فاشتراطها في الصلاة أولى وأجدر، فهذا الحديث يدل على اشتراط ستر العورة في الصلاة، وهو يتضمن أمر أبي بكر وأمره بذلك من أمر النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حيث إنه أمَّره بالحج، وقد سبق الكلام عليه في باب (وجوب الصلاة في الثياب) ، والله أعلم بالصواب.
(قال: حُمَيْد) بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وسكون التحتية (بن عبد الرحمن) : هو ابن عوف التابعي، (ثم أردف) أي: أرسل (رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عليًّا) : هو الصديق الأصغر ابن أبي طالب وراء أبي بكر الصديق الأكبر رضي الله عنه، (فأمَّره أن يؤذنُ ببراءةٌ) ؛ بالرفع على الحكاية، كما في «فرع الينونينية» ، ويجوز الفتح على أنها علم للسورة، ويجوز الكسر مع التنوين؛ أي: بسورة براءةٍ، قال إمام الشَّارحين:(وقول حميد هذا مرسل من قبيل مراسيل التابعين؛ لأنَّ حميدًا ليس بصحابي حتى يقال: إنه
[ص 467]
شاهده بنفسه) ، وقال الكرماني: (ولفظ: «قال حميد» و «قال أبو هريرة» يحتمل أن يكون كل منهما تعليقًا من البخاري، ويحتمل أن يكونا داخلين تحت الإسناد، لكن الظاهر من مسألة الإرداف أنه لم يسندها حميد) ، وقال في «التوضيح» : (وقول حميد يحتمل أن يكون تلقاه من أبي هريرة، ويكون الزهري رواه عنه موصولًا عند البخاري) ، ورده إمام الشَّارحين فقال: (الوجه الذي ذكرناه هو الوجه، كما نص عليه المزي وغيره) انتهى.
قلت: يعني: إنه مرسل من قبيل مراسيل التابعين ... إلى آخر، ما ذكرناه عنه قريبًا؛ فافهم.
(قال: أبو هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي: (فأذَّن) ؛ بتشديد الذال المعجمة، (معنا) بفتح العين المهملة وسكونها (علي) : هو ابن أبي طالب؛ أي: مع الرهط الذين يؤذنون في الناس (في أهل مِنًى) ؛ بكسر الميم، والقصر (يوم النحر) : هو يوم العاشر من ذي الحجة، فقالوا: (لا يحجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوفُ بالبيت عريان) ؛ بالرفع في (يحج) و (يطوف) فقط، والحكمة في إعطاء علي براءة؛ لأنَّ براءة تضمنت نقض العهد، وكانت سيرة العرب؛ إذ لا يحل العقد إلا الذي عقده أو رجل من أهل بيته، فأراد عليه [الصَّلاة و] السَّلام أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، وأرسل ابن عمه الهاشمي حتى لا يبقى [1] لهم متكلم، وقيل: لأنَّ في سورة براءة ذكر الصديق؛ يعني: قوله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ} [التوبة: 40] ، فأراد عليه [الصَّلاة و] السَّلام أن غيره يقرؤها.
فإن قلت: كان علي مأمورًا بالتأذين ببراءة، فكيف قال: (فأذن معنا بأنه لا يحج) ؟
قلت: إمَّا لأنَّ ذلك داخل في سورة براءة، وإمَّا أن معناه: أنه أذن فيه أيضًا معنا بعد تأذينه ببراءة، كذا في «عمدة القاري» .
قلت: والثاني أوجه؛ فتأمل.
وقال ابن عبد البر: (أمر النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أبا بكر رضي الله عنه بالخروج إلى الحج، وإقامته للناس، فخرج أبو بكر، ونزل صدر براءة بعده، فقيل: يا رسول الله؛ لو بعثت بها إلى أبي بكر؛ يقرؤها على الناس في الموسم، فقال: «إنه لا يؤديها عني إلا رجل من أهل بيتي» ، ثم دعا عليًّا رضي الله عنه، فقال: «اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن بها في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا في منًى» ، فخرج على ناقة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأذن علي رضي الله عنه، فقال أبو بكر: استعملك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أن أقرأ براءة على الناس، فقال أبو بكر: أميرًا أو مأمور؟ فقال: بل مأمور) ، وذكر أحمد في (فضائل علي) : (لما بلغ أبو بكر ذا الحليفة، وفي لفظ: «بالجحفة» ؛ بعث النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أبي بكر، فرده، وقال: «لا يذهب بها إلا رجل من أهل بيتي» ، وفي لفظ:(فرجع أبو بكر، فقال: يا رسول الله؛ نزل فيَّ شيء؟ قال: «لا، ولكن جبريل عليه السَّلام جاءني، فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك» ) ، انتهى.
قلت: وفي هذا بيان حكمة إعطاء علي براءة أيضًا؛ فليحفظ.
وفي «عمدة القاري» : (ويستنبط منه أنه عليه السَّلام أبطل ما كانت الجاهلية عليه من الطواف عراة، واستدل بهذا الحديث على أن ستر العورة واجب في الصلاة وخارجها، وهو الموافق لترجمة الباب) انتهى.
وزعم الكرماني أنه استدل به على أن الطواف يشترط له ستر العورة، قال إمام الشَّارحين: (قلت: إذا طاف الحاج عريانًا؛ لا يعتد به عندهم، وعندنا يعتد به، ولكنه يكره) انتهى.
قلت: يعني: أنه في مذهب الإمام الأعظم رضي الله عنه لا تشترط ستر العورة في الطواف، فلو طاف عريانًا؛ يصح، ولكنه يكره، وعند الشافعي يشترط سترها فيه، ولو طاف عريانًا؛ لا يصح، واستدل بالحديث المذكور، فاستدل الإمام الأعظم بقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ} [الحج: 29] ، وهو مطلق، فيشمل العاري وغيره، ولا دلالة للشافعي في هذا الحديث؛ لأنَّه خبر واحد، وزيادة على النص، وهو نسخ، فلا يثبت به الحكم، ولأنه لا يشترط في الطواف الاستقبال، ولا عدم المشي إجماعًا، فعدم اشتراط ستر العورة أولى وأجدر على أن المراد بهذا الحديث النهي، وهو يقتضي الكراهة لا عدم الصحة، فما قاله الإمام الأعظم هو الصواب، والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل: (يبق) ، والمثبت هو الصواب.