فهرس الكتاب

الصفحة 833 من 860

[حديث: دخل النبي البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال]

504# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) هو ابن سلمة المنقري البصري البدري الذي يقال له: التَّبوذكي (قال: حدثنا جُويرية [1] ) ؛ بِضَمِّ الجيم مصغرًا: هو ابن أسماء الضبعي، واسمه واسم أبيه من الأعلام المشتركة بين الرجال والنساء، (عن نافع) هو مولى ابن عمر، روى عنه هنا بلا واسطة، ويروي عنه أيضًا بواسطة مالك بن أنس، (عن ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي رضي الله عنهماأنَّه (قال: دخل النَّبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم البيت) ؛ أي: الكعبة المشرفة، وفي رواية ابن عمر في باب (الأبواب والغلق للكعبة والمساجد) : (أن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم قَدِمَ مكة _أي: عام الفتح_، فدعا عثمان بن طلحة ففتح الباب، فدخل النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم) ؛ أي: البيت (وأسامة بن زيد) هو خادمه، (وعثمان بن طلحة) هو الحجبي صاحب مفتاح البيت، وإنَّما أذن له بالدخول ودخل معه حتى لا يتوهم الناس عزله عن سدانة البيت، (وبلال) هو مؤذنه وخادم أمر صلاته، زاد في رواية الباب السَّابق: (ثم أغلق الباب) ، وذلك لئلا يزدحم الناس عليه لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعال النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ليأخذوها عنه كما شاهدوا، فهذه الرواية دلت على أنَّ الرواية هنا كذلك، ويدل عليه قوله: (فأطال) ؛ أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم المكث فيه لأجل الصلاة والدعوات، (ثم خرج) ؛ أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وأصحابه من البيت، ويستفاد التراخي من قوله: (فأطال) ، فقوله: (ثم) : للتأكيد، وفي رواية الباب السَّابق: (فلبث فيه ساعة، ثم خرجوا) .

وقوله: (وكنت) ؛ بالواو في رواية الأصيلي وابن عساكر، وبحذفها في رواية أبي ذر وكريمة إلى قوله: (أين صلى) من مقول ابن عمر (أول الناس دخل) : جملة حالية، وكلمة (قد) مقدرة (على أَثَره) ؛ بفتحتين؛ أي: على عقبه، وهي رواية «اليونينية» ، وفي رواية: بكسرٍ فسكونٍ، ورواه الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: (ثم خرج ودخل عبد الله على إثره أول الناس) ؛ أي: دخولًا البيت، (فسألت بلالًا) أي: المؤذن: (أين صلَّى) ؛ أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم؟ (قال) ؛ أي: بلال، ولأبوي ذر والوقت: (فقال) : صلَّى (بين العمودين المقدمين) : وفي رواية الكشميهني: (المتقدمتين) .

ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة.

وفي الحديث: أنَّ الصلاة بين السواري للمنفرد غير مكروهة، وأمَّا مع الجماعة؛ فمكروهة كما بيَّنَّاه، وقال الرافعي: احتج البخاري بحديث ابن عمر عن بلال على أنَّه لا بأس بالصلاة بين الساريتين إذا لم يكن في جماعة، وأشار إلى أنَّ الأَولى للمنفرد أن يصلِّي إلى السارية، ومع هذه الأولوية فلا كراهة في الوقوف بينها، فأمَّا في الجماعة؛ فالوقوف بين الساريتين كالصلاة إلى السارية، انتهى.

واعترضه العجلوني بأنَّ فيه نظر؛ لورود النَّهي الخاص عن الصلاة بين السواري، كما رواه الحاكم من حديث أنس بإسناد صحيح، وهو في «السنن» الثلاثة، وحسَّنه الترمذي، انتهى.

قلت: حفظ هذا القائل شيئًا، وغاب عنه أشياء، فإنَّ حديث النَّهي المذكور محمول على ما إذا صلى وحده منفردًا بين السواري مقتديًا بالإمام، فصلاته مكروهة؛ لأنَّ ذلك يقطع الصفوف، وتسوية الصفوف في الجماعة مطلوبة، أمَّا إذا صلى منفردًا بين الساريتين بغير جماعة؛ فلا كراهة فيه، كما لا كراهة في صلاة المقتدين بين السواري بالإمام في محرابه، وهذا معنى كلام الرافعي، وقال ابن حبيب: ليس النَّهي عن تقطيع إذا ضاق المسجد، وإنَّما نهي عنه إذا كان المسجد واسعًا.

وقال مالك: لا بأس بالصلاة بين الأساطين لضيق المسجد، وكان سعيد بن جبيروإبراهيم التيمي وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول الأئمة الكوفيين، وأجازه ابن سيرين والحسين.

وقال الطَّبري: كره قوم الصف بين السواري؛ للنَّهي الوارد، ومحل الكراهة عند عدم الضيق، والحكمة فيه إمَّا لأنَّه موضع النِّعال، أو لانقطاع الصف، وقال القرطبي: سبب كراهة ذلك أنَّه مصلى الجن المؤمنين.

وقال ابن بطال: إنَّما يكره أن يكون الصف تقطعه أُسطوانة إذا صلوا جماعة خشية أن يمر أحد بين يديه وإن كان الإمام سترة لمن خلفه، ويستحب أن تكون الأُسطوانة خلف الصف وأمامه يستتر

[ص 717]

بها المصلي في الجماعة، انتهى.

قلت: وكلامه مخالف للنص؛ وهو قوله عليه السَّلام: «سترة الإمام سترة لمن خلفه» ، أخرجه الطَّبراني من حديث أنس، وكذا روي عن ابن عمر أخرجه عبد الرزاق، فإنَّ هذا نص على أنَّه إذا صلى الإمام في محرابه والمقتدون خلفه بين الأساطين؛ لا تكره صلاتهم وإن مرَّ أحد أو كلب أو غيرهما؛ لأنَّ سترة إمامهم سترة لهم بالنص، كما لا يخفى.

وقوله: (ويستحب ... ) إلخ: هذا إذا كان الإمام قدام الصف محكمًا، أما إذا كان الإمام في محرابه وخلفه صف وبعده صف آخر بين الأساطين؛ فلا كراهة في ذلك بالنص، على أنَّ هذا مذهبه، وهو لا يعارض الحديث، بل الحديث حجة عليه؛ فافهم.

ثم قال ابن بطال: واختلف السلف في الصلاة بين السواري؛ فكرهه أنس وقال: (كنا نتَّقيه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وفي لفظ: (كنا نُنهى عن الصلاة بين السواري ونُطرد عنها) ، صححها الحاكم، وقال ابن مسعود: (لا تصفوا بين الأساطين) ، وكرهه حذيفة وإبراهيم وقال: (لا تصفوا بين الأساطين وأتموا الصفوف) ، وسلفهم أثر عمر في ذلك، انتهى.

قلت: هذا محمول على العلة في النَّهي كما تقدم، إمَّا لأنَّها موضع وضع النِّعال، وهي دائرة، فإذا زالت العلة؛ انتفت الكراهة، وإمَّا لكون المسجد واسعًا، وإمَّا لانقطاع الصفوف، أو غير ذلك مما سبق، فالعلة دائرة مع المعلول، وحيث انتفت العلة انتفت الكراهة على أنَّ هذا روي موقوفًا، وهو لا يُقاوِم المرفوع؛ فافهم.

[1] في الأصل: (جويرة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت