فهرس الكتاب

الصفحة 834 من 860

[حديث: أن رسول الله دخل الكعبة وأسامة بن زيد]

505# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي الدمشقي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن نافع) هو المدني مولى ابن عمر، (عن عبد الله بن عمر) هو ابن الخطاب القرشي العدوي رضي الله عنهما، وسقط (عبد الله) لابن عساكر: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم) بفتح الهمزة (دخل الكعبة) ؛ أي: بعد أن أمر عثمان بفتح بابها بعد قدومه إلى مكة عام الفتح كما بيَّنتْه الرواية السَّابقة (وأسامة بن زيد) هو خادمه عليه السَّلام، قال الشَّارح: بنصب (أسامة) عطفًا على (رسول) ، ويجوز رفعه عطفًا على فاعل (دخل) (وبلال) هو المؤذن المدفون بمقبرة باب الصغير بديارنا الشريفة الشامية (وعثمان بن طلحة الحَجَبِي) ؛ بفتح الحاء المهملة والجيم، وبالموحَّدة المكسورة؛ نسبة إلى حجابة الكعبة، وهو الذي بيده مفتاح الكعبة (فأغلقها) ؛ أي: أغلق عثمان الحجبي الكعبة؛ أي: بابها بأمره عليه السَّلام (عليه) ؛ أي: على النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وأصحابه المذكورين، وإنَّما أغلق الباب عليهم؛ لئلا يزدحم الناس عليه لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعال النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وإنَّما خَصَّ عثمان الحجبي بالغلق دون غيره من الموجودين؛ لأنَّه صاحب مفتاح الكعبة، أو [1] حتى لا يتوهم الناس عزله عن سدانة الكعبة؛ فافهم، (ومكَث) بفتح الكاف وضمها (فيها) ؛ أي: الكعبةِ النَّبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم وأصحابه المذكورون، وكان مكثه طويلًا، كما بيَّنتْه الرواية السَّابقة، وذلك لأجل الصلاة والدعوات.

وقوله: (فسألتُ) بضمير المتكلم (بلالًا حين خرج) أي: من الكعبة: (ما صنع النَّبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم؟) _أي: في الكعبة_ من كلام ابن عمر، (قال) أي: بلال: (جعل) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم (عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه) ؛ بالنصب على الظرفية، وذلك حين صلى في الكعبة، وإنَّما قدم اليسار على اليمين مع أنَّ اليمين أشرف؛ لأنَّ هذا حكاية الجعل المذكور عن هيئة الفعل في اللَّفظ مع قطع النَّظر عن الشرف في أحدهما، (وكان البيت يومئذٍ) ؛ أي: يوم إذ دخله عليه السَّلام، وذلك عام الفتح (على ستة أعمدة) ، وزعم الكرماني: وفي بعضها: (ستة) ؛ بإسقاط لفظة: (على) ، فهي مقدرة على طريق نزع الخافض، انتهى.

قلت: ويفهم منه أنَّ لفظ: (ستة) مجرور بـ (على) مقدرة، وفيه أنَّ حروف الجر لا تعمل مقدرة، وقوله: (على طريق نزع الخافض) : مفهومه أنَّها منصوبة بنزع الخافض، وهذا تناقض في الكلام مع خفاء المعنى المرام على أنَّه لم يَعزُ هذه النُّسخة لأصل يعتمد عليه، ولا لرواية راوٍ يعول عليه، فالله أعلم بصحتها، وعلى تقدير صحتها؛ فالصَّواب أنَّ (ستة) منصوب، إمَّا على الحال أو على التمييز، ويحتمل على بُعدٍ أنَّه منصوب على طريق نزع الخافض على هذه النُّسخة؛ فافهم.

(ثم صلى) ؛ أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في الكعبة بين الأعمدة، ففيه: جواز الصلاة بين الأساطين من غير كراهة، وهو شامل للنفل والفرض مع جماعة وبدونها، فإنَّ لفظ الحديث مطلق، ولا مانع أنَّه عليه السَّلام قد صلى في الكعبة جماعة، فإنَّها تحصل بواحد فأكثر _وكان معه ثلاثة_ ولو كانت نفلًا؛ لأنَّ النفل بالجماعة مشروع ولو على سبيل التداعي، وهذا حجة على من كره ذلك مما قدمناه.

(وقال إسماعيل) هو ابن أبي أويس _كما في رواية أبي ذر والأصيلي_ ابن أخت مالك بن أنس، وفي رواية كريمة: (وقال لنا) ، وهذه الرواية أحط رتبة ودرجة من (حدثنا) ، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر والقسطلاني، وهذا يدل على أنَّ (لنا) ثابتة في رواية كريمة فقط، وزعم العجلوني أنَّها ثابتة في الروايتين، وليس كذلك كما لا يخفى؛ فافهم، وهذا موصول كما صرح به إمامنا الشَّارح؛ فافهم: (حدثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس الأصبحي؛ أي: بهذا الحديث مع تتمة سنده السَّابق (وقال) ولأبي ذر: (فقال) ؛ أي: في آخر الحديث: (عمودين عن يمينه) ، فإن قلت: في رواية مالك إشكال؛ لأنَّه قال: (عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه) ، وهذان اثنان، ثم قال: (وثلاثة أعمدة وراءه) فتكون الجملة خمسة، ثم قال: (وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة) .

قلت: أجاب الكرماني: بأنَّ لفظ العمود جنس يحتمل الواحد والاثنين، فهو مجمل بيَّنه مالك في رواية إسماعيل بن أبي أويس، وهي قوله: (وقال لنا إسماعيل: حدثني مالك، فقال: عمودين عن يمينه) ، فحينئذٍ تكون الأعمدة ستة.

وأجاب ابن حجر: بأنَّه حيث ثنَّى؛ أشار إلى ما كان عليه البيت في الزمن النَّبوي، وحيث أفرد؛ أشار إلى ما كان عليه بعد ذلك، ويشير إليه قوله: (وكان البيت يومئذٍ) ، فإنَّ فيه إشعارٌ [2] بتغيره عن هيئته الأولى.

وقال خلف: لم أجده من حديث إسماعيل، وقد اختلف عن مالك في لفظه، فرواه مسلم: (عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه) عكس رواية إسماعيل، وفي رواية البخاري: (عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه) ، قال البيهقي: هو الصَّحيح، وفي رواية: (جعل عمودًا عن يمينه، وعمودين عن يساره) عكس ما سبق.

وقد ذكر الدارقطني الاختلاف على مالك فيه؛ فوافق الجمهور عبد الله بن يوسف في قوله: (عمودًا عن يمينه) ، ووافق إسماعيل في قوله:(عمودين

[ص 718]

عن يمينه) ابن القاسم، ومحمَّد بن الحسن، والقعنبي، وأبو مصعب، وأبو حذافة، وكذا ابن مهدي في إحدى الروايتين عنه، وأجاب قوم عنه باحتمال تعدد الواقعة.

وفي رواية عن عثمان بن عمر عن مالك: (جعل عمودين عن يمينه، وعمودين عن يساره) ، فعلى هذا تكون الأعمدة سبعة، ويردها قوله: (وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة) بعد قوله: (وثلاثة أعمدة وراءه) ، وعن هذا قال الدارقطني: (لم يتابع عثمان بن عمر على ذلك) .

وأجاب الكرماني بجوابين آخرين؛ الأول: هو أنَّ الأعمدة الثلاثة المقدمة ما كانت على سَمْتٍ واحد بل عمودان مُسَامتان، والثالث على غير سَمْتِهِمَا، ولفظ (المقدمين) في الحديث السَّابق يشعر به، فتعرض للعمودين المسامتين وسكت عن ثالثهما، والثاني: أن تكون الثلاثة على سمت واحد، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الوسطاني.

قلت: ويؤيد الوجه الأول منهما ما رواه مجاهد عن ابن عمر في باب: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] فإنَّ فيها: (صلى بين الساريتين اللتين على يسار الداخل) ، وهو يدل على أنَّه كان هناك عمودان على اليسار وأنَّه صلى بينهما، فيحتمل أنَّه كان هناك عمود آخر عن اليمين وعلى غير سمت العمودين، وعلى هذا فمن قال: (جعل على يمينه عمودين) ، ومن قال: (جعل عمودًا عن يمينه) ، كلاهما صحيح، وعلى الوجه الثاني يصح قول من قال: (جعل عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره) ، وكأنَّه لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه، ومن قال: (عمودين) اعتبره.

وأجاب قوم: بأنَّه عليه السَّلام انتقل في الركعتين من مكان إلى مكان، ولا تبطل به الصلاة لقلته، وهذا ليس ببعيد؛ لأنَّ الصلاة في البيت إنَّما كانت للتبرك والفضل، والانتقال المذكور زيادة فضيلة وهو وجيه، واحتمال تعدد الواقعة بعيد؛ لاتحاد مخرج الحديث، وجزم البيهقي بترجيح رواية إسماعيل، وتمامه في الشرح، والله تعالى أعلم.

[1] زيد في الأصل: (لأنه) .

[2] في الأصل: (إشعارًا) .

[1] زيد في الأصل: (لأنه) .

[1] زيد في الأصل: (لأنه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت