و إن كان لمصلحة، فإما أن تكون: أدنى من مصلحة المنسوخ، أو مساوية لها، أو راجحة عليها.
فإن كان الأول: فهو أيضا ممتنع لما فيه من إهمال أرجح المصلحتين، واعتبار أدناهما.
وإن كان الثاني: فليس الناسخ أولى من المنسوخ.
فلم يبق غير الثالث: وإذا كان النسخ إنما يكون للأصلح والأنفع، والأقرب إلى حصول الطاعة، وذلك إنما يكون بنقل المكلفين من الأشد إلى الأخف، ومن الأصعب إلى الأسهل، لكونه أقرب إلى حصول الطاعة، وأسهل في الانقياد، وإذا كان بالعكس، كان إضرارا بالمكلفين؛ لأنهم إن فعلوا التزموا المشقة الزائدة، وإن تركوا استضروا بالعقوبة والمؤاخذة، وذلك غير لائق بحكمة الشرع [1] .
وقد أجاب الآمدي عن ذلك، فقال:
إن ما ذكروه لازم عليهم في ابتداء التكليف، ونقل الخلق من الإباحة والإطلاق إلى مشقة التكليف، وكذلك في نقلهم من الصحة إلى السقم، ومن الشبيبة إلى الهرم، ومن الجدّة إلى العدم، وإعدام القوى والحواسّ بعد وجودها؛ فإن ما نقلهم إليه أشق مما نقلهم عنه، وكل ما ذكروه فهو بعينه لازم هاهنا، وما هو الجواب في صورة الإلزام فهو جوابنا في محل النزاع [2] .
واستدل الجمهور على الوقوع بما يلى:
أولا: إن الله تعالى أوجب صيام رمضان في ابتداء الإسلام مخيّرا بينه وبين الفداء بالمال، للصحيح المقيم، الثابت في قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [3] ، ثم نسخ التخيير، وأوجب على الصحيح المقيم الصوم فقط، الذي دل عليه قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [4] ، ووجوب الصوم أثقل من التخيير.
ثانيا: قد فرض الله مسالمة الكفار بقوله تعالى: وَدَعْ أَذاهُمْ [5] ، ثم نسخ ذلك بوجوب قتالهم بقوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [6]
(1) انظر الإحكام للآمدي (198) / (3) .
(2) انظر الإحكام للآمدي (199) / (3) .
(3) سورة البقرة، من الآية (184) .
(4) سورة البقرة، من الآية (185) .
(5) سورة الأحزاب، من الآية (48) .
(6) سورة الحج، من الآية (39) .
(7) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.