ثالثا: إن الله تعالى أوجب في ابتداء الإسلام الحبس في البيوت للنساء، والإيذاء بالقول للرجال، حدّا على جريمة الزنا، وذلك في قوله تعالى: وَاللّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّاى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (( 15 ) )وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللّهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا (( 16 ) ) [1] ، ثم نسخ ذلك بالضرب بالسياط مائة، والتغريب سنة عن الوطن في حق البكر، وبالرجم بالحجارة في حق الثيب.
على أننا لنا في هذه الآيات وأمثالها رأي آخر قد تقدم، وهو أن الآيات التي ادعوا أنها منسوخة خاصة بحالة، والآيات التي ادعوا أنها ناسخة خاصة بحالة أخرى، وليس أي منها ناسخا ولا منسوخا.
لكن يستدل على ذلك بنسخ إباحة زواج المتعة بتحريمه.
أدلة المانعين:
استدلّ أصحاب المذهب الثاني القائلون بأن النسخ إلى بدل أثقل لا يجوز عقلا، وبالتالى لم يقع، استدلوا بالعقل:
وهو ما قدمناه عند ذكرنا لأدلة الجمهور حيث بينا أن المخالف عارض أدلتهم العقلية، فلا داعي إلى ذكره مرة ثانية.
واستدلوا على عدم الوقوع سمعا بنصوص من القرآن الكريم:
أولا: قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2] .
وجه الدلالة: أن الله تعالى أخبر بأنه لا بد في النسخ من الإتيان بحكم هو خير من المنسوخ أو مثله؛ فلا بد أن يكون الحكم الناسخ أخف من المنسوخ، أو مساويا له، ولا يجوز أن يكون أثقل منه، وإلا لتخلّف خبره تعالى، وتخلّف خبره تعالى محال فيستحيل ما أدى إليه، وهو جواز مثل هذا الحكم [3] .
ونوقش هذا: بأنا لا نسلم أن الأثقل لا خير فيه؛ لأن النسخ إذا كان ببدل أخف
(1) سورة النساء، آية (15) ، (16) .
(2) سورة البقرة، من الآية (106) .
(3) انظر الإحكام للآمدي (199) / (3) ، الإحكام لابن حزم (93) / (4) ، (94) .
(4) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.