فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
و الذي يصلح أن يكون الفداء بدلا عنه هو الذبح، فلو كان غير مأمور بالذبح لما احتيج إلى الفداء [1] .
وأما أنه نسخ قبل أن يتمكن من الذبح، فلأنه لو نسخ بعد التمكن من الفعل ولم يفعل لكان ذلك تقصيرا من إبراهيم عليه السلام في تنفيذ ما طلب منه، والتقصير ليس من شأن الأنبياء، فإن المعروف عنهم المبادرة إلى الفعل، ولو كان شاقّا، بل ولو كان وجوبه موسّعا عليهم [2] .
ومما يدل أيضا على أنه نسخ قبل التمكن: أنه لم يذبح، ولو لم ينسخ لذبح امتثالا لأمر الله تعالى، لأنه نبى فهو معصوم من المعاصى [3] .
وبهذا يتبين ضعف اعتراض الآمدى بأنه نسخ بعد التمكن، لا قبله [4] .
وقد اعترض المانعون على هذا الدليل باعتراضات وهى:
الأول: أن ذلك إنما وقع لسيدنا إبراهيم عليه السلام مناما، والمنام لا تثبت به الأوامر النواهي.
وأجيب عن ذلك: أن منام الأنبياء فيما يتعلق بالأوامر والنواهى وحي معمول به، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أن وحيه كان ستة أشهر بالمنام، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» [5] ، فكانت نسبة الأشهر الستة إلى مدة نبوته عليه الصلاة والسلام، وهى ثلاث وعشرون سنة، كيف وإنه لو كان خيالا لا وحيا لما جاز لإبراهيم عليه السلام العزم على الذبح المحرم بمنام لا أصل له، ولما سماه الله تعالى بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء.
(1) يقول ابن قدامة في روضة الناظر: وقد اعتاص هذا على القدرية حتى تعسفوا في تأويله من ستة أوجه: أحدها: أنه كان مناما لا أصل له، والثاني: أنه لم يؤمر بالذبح، وإنما كلف العزم على الفعل، لامتحان سره في صبره عليه، والثالث: أنه لم ينسخ، ولكن قلب الله عنقه نحاسا فانقطع التكليف عنه لتعذره، والرابع: أن المأمور به الاضطجاع ومقدمات الذبح، بدليل: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، والخامس: أنه ذبح امتثالا فالتأم الجرح واندمل بدليل الآية، والسادس:
أنه إنما أخبر أنه يؤمر به في المستقبل، فإن لفظه لفظ الاستقبال، لا لفظ الماضى، وقد أجاب ابن قدامة عن هذا إجمالا ثم تفصيلا، وخلاصته أنه لو صح شيء من ذلك لم يحتج إلى فداء، ولم يكن بلاء مبينا في حقه. انظر روضة الناظر ص (39) ، (40) ، المستصفى (115) / (1) .
(2) انظر حاشية العطار على شرح جمع الجوامع (111) / (2) .
(3) انظر المستصفى (115) / (1) ، المحصول (468) / (3) / (1) ، الإحكام للآمدي (180) / (3) ، الوصول إلى الأصول (39) / (2) ، التبصرة ص (260) ، تيسير التحرير (188) / (3) ، (139) ، الإبهاج (258) / (2) ، نهاية السول (174) / (2) ، مناهج العقول (172) / (2) .
(4) انظر الإحكام للآمدي (184) / (3) .
(5) الحديث أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري، ومسلم عن ابن عمر، وأخرجه غيرهما، انظر فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي (48) / (4) .
(6) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.