الاعتراض الثاني: سلمنا أنه كان مأمورا بالذبح، ولكن لا نسلم أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة، بل العزم على الذبح، امتحانا له بالصبر على العزم.
وعلى هذا يكون إبراهيم عليه السلام قد أدّى ما وجب عليه، فلا نسخ.
وأجيب عن ذلك بأن حمل الأمر على العزم على خلاف الظاهر من قوله تعالى: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ، فلو كان مأمورا بالعزم على الذبح، كما هو مقتضى العمل، لما سماه الله بلاء مبينا. وإذا كان الواجب هو العزم كما ادعيتم إذا فلا احتياج إلى الفداء لكون المأمور به وقع، ولما قال الذبيح:
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ [1] ، فإن ذلك مما لا ضرر عليه فيه.
الاعتراض الثالث: سلمنا أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة إلا أنه قد منع منه، فإنه روى أنه كان كلما قطع جزءا عاد ملتحما إلى آخر الذبح، ولهذا قال سبحانه وتعالى:
قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا وإذا كان ما أمر به من الذبح قد وقع، فالفداء لا يكون نسخا.
ويجاب عن ذلك بوجهين:
الأول: أنه لو حصل هذا لما احتيج إلى الفداء؛ لأن الفداء بدل، والبدل إنما يحتاج إليه عند عدم الإتيان بالمبدل منه، لكن الله تعالى قال في شأن ذلك:
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ فعلم من ذلك أن المبدل منه لم يحصل.
الوجه الثاني: أنه لو حصل ما تقولون به من أنه كلما قطع جزءا عاد ملتحما إلى آخر الذبح لنقل هذا بطريق التواتر؛ لأن مثله مما تتوافر الدواعي على نقله، وحيث لم ينقله سوى بعض الخصوم دل هذا على ضعفه.
الاعتراض الرابع: سلمنا أن الأمر بنفس الذبح حقيقة، لكن الله تعالى قد قلب عنق الذبيح حديدا أو نحاسا، فلم يقطع، وعليه فيكون التكليف بالذبح قد انقطع لتعذره لا بطريق النسخ، فتكون الآية ليست محل النزاع.
ويجاب عن هذا: بأن هذه رواية لا أصل لها، وهي من وضع الوضاعين، إذ لم يكن لها دليل، فلو وقع ذلك لاشتهر واستفاض لتوافر الدواعى على نقله؛ لأن هذا من الأمور الغريبة والنفوس مولعة بنقل الغريب عادة، وأيضا إذا كان الوجود متعذرا فعله فلا معنى للفداء.
(1) سورة الصافات، من الآية (102) .
(2) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.