الأول: أنه لو جاز أن يرد الأمر بشيء في وقت، ثم يرد النهى عنه في ذلك الوقت، لكان الشخص الواحد بالفعل الواحد في الوقت الواحد، مأمورا به، منهيّا عنه، وهو محال، لما فيه من طلب الجمع بين الضدين، والجمع بين الضدين محال.
وأجيب عن ذلك: بأنه إنما يكون محالا، إذا كان المقصود من الأمر حصول الفعل أما إذا كان المقصود هو الابتلاء والاختبار، أي: ابتلاء المأمور، واختباره وامتحانه، دون حصول الفعل فإنه يجوز، فإن السيد يقول لعبده: اذهب غدا إلى موضع كذا راجلا، وهو لا يريد الفعل، بل يريد امتحانه، مع علمه بأن غدا سيرفع عنه ذلك [1] .
ثم عزيمة القلب قد تعتبر قربة بلا فعل، ولا يكون العمل وحده هو المقصود وأعظم الطاعات، وهو الإيمان من أعمال القلب الذي هو رئيس الأعضاء [2] .
الثاني: أنه إذا نهى المكلف عن الفعل الذي أمر به قبل دخول وقته، فالأمر والنهى قد تواردا على شاء واحد من جهة واحدة في وقت واحد، وهو محال وذلك لأن الفعل في نفسه في ذلك الوقت إما أن يكون حسنا أو قبيحا، وعند ذلك فلا يخلو لله تعالى عند الأمر بالفعل، إما أن يكون عالما بما هو عليه الفعل من الحسن والقبح، وكذلك في حالة النهى أو لا يكون عالما به أصلا.
فإن كان الأول: فإن كان الفعل حسنا فقد نهى عن الحسن مع علمه به، وإن كان قبيحا فقد أمر بالقبيح مع علمه وهو قبيح.
وإن كان الثاني فيلزمه منه الجهل في حق الله تعالى - كيف وإن ظهر له في حالة النهى، ما لم يكن قد ظهر في حالة الأمر، فهو عين البداء، والبداء على الله محال.
وأجيب عن ذلك: أما عن قولهم إما أن يكون الفعل حسنا أو قبيحا فهو مبني على الحسن والقبح العقليين، وهذا أمر غير مسلّم عندنا؛ لأنه مبنى على قاعدة التحسين والتقبيح.
فإن قالوا: وإن لم يكن حسنا ولا قبيحا، فلا يخلو من أن يكون مشتملا على مصلحة أو مفسدة، فإن كان الأول فقد نهى عما فيه مصلحة، وإن كان الثاني فقد أمر بما فيه مفسدة، قلنا: وهذا أيضا مبنى على رعاية الحكمة في أفعال الله
(1) انظر نهاية السول للإسنوي (174) / (2) .
(2) انظر تيسير التحرير (188) / (3) .
(3) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.