فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 146

فأمرهم باجتناب الخمر، كما أمرهم باجتناب الميسر والأنصاب والأزلام، فأصبح الشرب حراما في كل وقت، من ليل أو نهار، فكان هذا ناسخا للمفهوم من تخصيص وقت الصلاة بالنهى عن الشرب فيه.

ونحن نرى أن ما بين هاتين الآيتين من باب التدرج في التشريع، وهنا قد تدرج الشرع في تحريم الخمر؛ لأنها كانت عادة مستأصلة في نفوسهم، والتدرج في التشريع منهج من مناهج القرآن الكريم في الأحكام.

قال القرافي: «الذي يظهر لي أن الخمر لم تكن مباحة، بل مسكوت عن تحريمها، ثم حرمت، ورفع المسكوت عنه ليس نسخا، ويدل على ذلك ما حكاه الغزالي وغيره من العلماء أن القدر المسكر لم يبحه الله تعالى في ملة من الملل، بل أجمعت الشرائع على تحريمه، إنما الخلاف في القدر الذي لا يسكر.

فعندنا حرام، وفي شريعة التوراة مباح على ما يقال، وما حرمه الله تعالى في جميع الملل لا يليق بهذه الشريعة التي هي أتم الشرائع في استيفاء المصالح ودرء المفاسد - إباحته فيها، بل إذا لم تتمكن الكلمة سكت عنه، كما سكت عن الدماء والأموال وغيرها في ابتداء الإسلام، ولم يقل أحد أنها كانت مباحة في أول الإسلام، بل كانت الشرائع تتجدد أولا بأول، ولم يتقدم إباحتها بتجدد، فكذلك هاهنا، هذا هو مقتضى القواعد والمناسبة» [1] .

(12) - أحكام القتال، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [2] .

قيل إنها نسخت بقوله تعالى:

الْآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ [3] .

ونحن نرى أن الآية تدل على أن المسلمين في حال القوة يجب عليهم الثبات لعشرة أمثالهم من الكفار.

والآية الثانية تدل على أن المسلمين في حال الضعف يجب عليهم الثبات

(1) نفائس الأصول (2461) / (6) .

(2) الأنفال: (65) .

(3) الأنفال: (66) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت