دَعَا قومه وأسمعهم كَلَام ريَاح فَقَالُوا: مَا لنا وَلأمة قتلت أُخْتهَا لَيْسَ بَيْننَا وَبينهمْ حَرْب على أَن بلدهم شاسع ومسلكهم بعيد.
قَالَ الْملك: أَرَأَيْتُم إِن ظلم أَخ أَخَاهُ أَلَيْسَ يجب على الْملك أَن ينصره قَالُوا: بلَى. قَالَ لَهُم ريَاح: كَيفَ يكون بلدي شاسعًا وَهَذِه جَرِيدَة من نخلها رطبَة فَلَو
كَانَ بَعيدا يَبِسَتْ وَهَذِه كلبتي قد تبعتني عرجاء. وَكَانَ قد ضربهَا عِنْد دُخُوله فعرجت فَلم يزل بهم حسان حَتَّى أجابوه إِلَى الْمسير فَسَارُوا فِي ثلثمِائة ألف فَلَمَّا كَانَ من جو على مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام قَالَ لَهُم ريَاح: إِن فيهم امْرَأَة يُقَال لَهَا: الْيَمَامَة تبصر الرَّاكِب من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام فَاقْطَعُوا الشّجر وليضع كل رَاكب مِنْكُم بَين يَدَيْهِ غصنًا من أَغْصَانهَا ليشتبه عَلَيْهَا.
فَقَامَتْ الْيَمَامَة على رَأس حصن لَهُم يُقَال لَهُ: البتيل فَقَالَت: أَي قوم زحفت إِلَيْكُم حمير وَأرى شَجرا وَخَلفهَا بشرا.
فكذبوها وَقَالُوا: مَا تزالين تَأْتِينَا بالإفك ثمَّ رجعت بصرها فوضح لَهَا صدق مَا رَأَتْ فَقَالَت:
(خُذُوا حذاركم يَا قوم ينفعكم ... فَلَيْسَ مَا قد أرى بالْأَمْس يحتقر)
(إِنِّي أرى شَجرا من خلفهَا بشر ... وَكَيف تَجْتَمِع الْأَشْجَار والبشر)
(خُذُوا طوائفكم من قبل داهية ... من الْأُمُور الَّتِي تخشى وتنتظر)