هذا بالاضافة الى ديباجة فاتحة الكتاب وخاتمته. ومعنى هذا الترتيب، ان جابر لم يكن ليتعرّض الى تقسيم العلوم قبل بيان مفهوم الحد؛ ثم سيحتاج ذلك في بيان حدود هذه العلوم، بعد تقسيمها؛ وعليها يستند في استخراج حدود الأشياء التي ترتبط بجزء هام منها، على سبيل التناظر.
فجابر «يقدّم لكل علم تعريفين، لأنه ينظر الى كل علم من زاويتين:
فتعريف للعلم منظورا اليه من ناحية الطريقة التي يعلم بها؛ وتعريف آخر للعلم نفسه منظورا اليه من حيث هو علم قائم بذاته، سواء وجد من يتعلّمه او لم يوجد. بعبارة اخرى؛ التعريف الأول لكل علم هو تعريف له في علاقته بالانسان الذي يحصّله، أي انه تعريف له من الناحية التربوية؛ وأما التعريف الثاني، فهو تعريف للعلم المعيّن في حدوده الموضوعية المستقلة عن الانسان».
من هذا، نلاحظ ان نص «الحدود» ليس عاديا في تراثنا العربي الفلسفي، بل انه يكشف بدقّة عن المصطلح الفلسفي في عصر جابر؛ مهما قيل في مشكلة جابر، من الناحية التاريخية فالنصّ، كما نراه، يمثّل الجانب الهام في أعمال جابر كلها؛ لأنه لا يفصح عن موقف خاص لجابر من حدود معينة، بل يؤكّد الجانب المنهجي لفلسفة جابر ورؤياه المبكرة لتقسيم العلوم؛ وفيها يثبّت الحدود الفلسفية لهذه العلوم والأشياء المرتبطة بأجزائها ارتباطا وثيقا يبيّن عمق فهم جابر لماهيات تلك العلوم وأجزائها في عصره.