الجسم كما ينقسم الى النامي وغير النامي انقساما بفصل ذاتي، فكذلك ينقسم الى الحساس وغير الحساس والى الناطق وغير الناطق. ولكن مهما قيل الجسم ينقسم الى ناطق وغير ناطق، فقد قسم بما ليس الفصل القاسم اوليا بل ينبغي ان ينقسم اولا الى النامي وغير النامي، ثم النامي ينقسم الى الحيوان وغير الحيوان، ثم الحيوان الى الناطق وغير الناطق. وكذلك الحيوان ينقسم الى ذي رجلين والى ذي أرجل، ولكن هذا التقسيم ليس بفصول أولية، بل ينبغي أن ينقسم الحيوان الى ماش وغير ماش ثم الماشي ينقسم الى ذي رجلين او ارجل، اذ الحيوان لم يستعد للرجلين والأرجل باعتبار كونه حيوانا بل باعتبار كونه ماشيا، واستعد لكونه ماشيا باعتبار كونه حيوانا، فرعاية الترتيب في هذه الأمور شرط للوفاء بصناعة الحدود، وهو في غاية العسر، ولذلك لما عسر ذلك اكتفى المتكلمون بالمميز فقالوا: «الحد هو القول الجامع المانع» ، ولم يشترطوا فيه الا التمييز فيلزم عليه الاكتفاء بذكر الخواص فيقال في حد الفرس انه الصهال، وفي الانسان انه الضحاك، وفي الكلب انه النباح. وذلك في غاية البعد عن غرض التعرّف لذات المحدود. ولأجل عسر التحديد رأينا ان نورد جملة من الحدود المعلومة المحررة في الفن الثاني من كتاب الحدود؛ وقد وقع الفراغ عن الفن الأول بحمد اللّه سبحانه وتعالى. [ص: 17 أ]
اعلم ان الأشياء التي يمكن تحديدها لا نهاية لها لأن العلوم التصديقية غير متناهية، وهي تابعة للتصورية، فاقل ما يشتمل عليه التصديق تصوران.
و على الجملة فكل ما له اسم يمكن تحرير حده او رسمه او شرح اسمه واذا لم يكن في الاستقصاء مطمع فالأولى الاقتصار على القوانين المعرفة لطريقه، وقد حصل ذلك بالفن الأول؛ ولكن نورد حدودا مفصلة لفائدتين: