ويستغرب من ذهب إلى فارس بأفكار مسبقة حصل عليها من المؤلفين القدماء، خاصة آريان Arian وكوينتوس كيرسيوس Quintus Cursius ، إذ عند قراءة وصفهم للترف والتخنث والكياسة وكنوز الفرس، يخيل إليه أنها بلد مصنوع من الذهب وتتوفر فيه كل وسائل الراحة والترف التي يمكن الحصول عليها بالقليل أو المجان. غير أن من يأتي إلى هناك يجدها غير ذلك. مع ذلك ليس هناك مجال للشك أن فارس من أغنى البلاد وأكثرها ترفا، كما ذكر هؤلاء المؤلفين، لأن الكتاب المقدس أكد على ذلك. بأي وسيلة يمكن التوفيق بين هذه التناقضات الجلية الظاهرة؟
سأقوم بذلك دون صعوبة برواية شيئين وجدت أنهما السبب في هذا التبدل الغريب. الأول ينبع من اختلاف دياناتهم، والثاني من اختلاف الحكومة. كان الفرس القدماء من عبدة النار وألزمتهم ديانتهم بالعمل في فلاحة الأرض بصرامة لأن مبدأهم يعتبر زراعة شجرة وري حقل وتحويل بقعة إلى أرض مثمرة فعل تقوى وثواب. في حين تنحو الفلسفة الإسلامية إلى الاستمتاع بخيرات هذه الدنيا طالما وجد الإنسان فيها دون اعتبارها أكثر من ممر عبور سريع. كانت حكومة هؤلاء القدماء أيضا أكثر عدلا وإنصافا. كانت أملاك الناس وأراضيهم وحاجاتهم مقدسة محصنة لا تنتهك. لكن الحكومة الآن استبدادية واعتباطية مطلقة. ما دعاني للاعتقاد أن كل ما قرأته عن فارس في الأزمان القديمة كان صحيحا وأنها كانت بلاد لا تقبل المقارنة وأكثر خصبا وسكانا من الوقت الحاضر، مراجعة ما آلت إليه الأمور منذ مئة وعشرين سنة، من بداية عهد عباس العظيم، الذي كان أميرا عادلا منصفا، وكل مساعيه ترمي لتحقيق غاية واحدة، هي سعادة شعبه وتوفير الرخاء في مملكته.
وجد إمبراطوريته ممزقة إربا ومغتصبة، والجزء الأعظم منها فقيرا ومسلوبا. لكن يصعب الاعتقاد ما كان لحكومته الجيدة من تأثير في كل المناطق الخاضعة له. أضرب للقارى ء مثالا واحدا فقط. جلب للعاصمة جماعة من الأرمن الذين كانوا شعبا عاملا نشيطا ولم يكن في حوزتهم شي ء يذكر عندما قدموا إلى هناك، لكن في غضون ثلاثين سنة أصبحوا